نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٩ - ١٣ أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا
و أنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، و لئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته، فلم تعرّضتم لها؟ فقال: ما علمنا ذلك، و رسمنا-كما تعلم-لا نبيع شيئا، إلاّ بمعرفة، و لما طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصّة.
فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، و كنت أنا اشتريته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار.
فأخذته منهم، و صرفتهم.
و أقامت المرأة في داري، و نقلت ابنتها إليّ، و أخرجت الجوهر، فألّفته عقودا، و عرضته، و تلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار.
فابتعت لها بذلك ضياعا و عقارا و مسكنا، فهي تعيش به و ولدها، إلى الآن.
فنظرت، فإذا الجوهر لمّا كان معها بلا صديق، كان حجرا، بل كان سببا لمكروه يجري عليها، و قد رشت على الخلاص منه دنانير، و لما وجدت صديقا يعينها، حصّل لها منه هذا المال الجليل.
فالصديق أفضل العقد [١] .
فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد اللّه.
ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، و قد سمعتم ما يقول، فكيف يكون مثل هذا مغفّلا [٢] ؟
[١] العقد: مفردها عقدة، و العقدة ما يمتلكه الإنسان من ضيعة أو عقار.
[٢] انفردت بها ط. و وردت في كتاب أخبار الحمقى و المغفلين لابن الجوزي: ٥٦.