المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٠ - تجدد الفتنة بين السنة و الشيعة
فمن رضي فقد شكر و من أبى فقد كفر فأنكر أهل الكرخ هذه الزيادة و ثارت الفتنة و آلت إلى أخذ ثياب الناس في الطرقات و منع أهل باب الشعير من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ و رواضعه و انضاف إلى هذا انقطاع الماء عن نهر عيسى فبيعت الراوية بقيراط إذا خفرت/ فلحق الضعفاء بذلك مشقة عظيمة و غلقت الأسواق و وقفت المعايش و مضى بعض سفهاء أهل الكرخ بالليل فأخذوا من دجلة الصراة عدة روايا و صبوها في حباب نصبوها في الأسواق و خلطوا بها ماء الورد و صاحوا السبيل و عمدوا إلى سمارية في مشرعة باب الشعير فأخذوها و حملوها إلى السماكين محا أهل الكرخ ما كتبوه من خير البشر و جعلوا عوضه (عليهما السلام) و قال أهل السنة ما نقنع إلّا بقلع الآجر الّذي عليه محمد و علي و تجاوزوا هذا [الحال إلى] [١] المطالبة بإسقاط حي على خير العمل. فلما كان يوم الأربعاء لسبع بقين من صفر اجتمع من أهل السنة عدد يفوت الإحصاء و عبروا إلى دار الخلافة و ملئوا الشوارع و الرحاب و اخترقوا الدهاليز و الأبواب و زاد اللغط و قيل لهم سنبحث عن هذا و هجم أهل القلائين على باب السماكين فأحرقوا بواري كانت مسبلة في وجهه فبادر أهل الكرخ و طفئت النار [٢] و بيضوا ما اسود من الباب و قويت الحرب و كثر القتل و انقطعت الجمعة في مسجد براثا لأن الشيعة نقلوا المنبر و القبلة منه و أشفقوا من الإصحار و ظهر عيار يعرف بالطقطقي من أهل درزيجان و حضر الديوان و استتيب و جرى منه في معاملة أهل الكرخ و تتبعهم في المحال و قتلهم على الاتصال ما عظمت فيه البلوى و اجتمع أهل الكرخ وقت الظهيرة فهدمت حائط باب القلائين و رموا العذرة على حائطه و قطع الطقطقي رجلين/ و صلبهما على هذا الباب بعد أن قتل ثلاثة من قبل و قطع رءوسهم و رمى بها إلى أهل الكرخ و قال تغدوا برءوس و مضى إلى درب الزعفرانيّ فطالب أهله بمائة ألف دينار و توعدهم إن لم يفعلوا بالإحراق فلاطفوه فانصرف و وافاهم من الغد فقاتلوه فقتل منهم رجل هاشمي فحمل إلى مقابر قريش.
و استنفر البلد و نقب مشهد باب التبن و نهب ما فيه و أخرج جماعة من القبور فأحرقوا مثل العوفيّ و الناشئ و الجذوعي و نقل من المكان جماعة موتى فدفنوا في مقابر
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] في الأصل: «و طفئ النار».