المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٦ - ٣١٥٠- الحسين
و كان المغربي إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو، و النحويّ سأله عن الفرائض أو الشاعر سأله عن القرآن قصدا ليسكتهم، فدخل عليه شيخ معروف فسأله عن العلم، فقال: ما أدري و لكني رجل يودعني الغريب الّذي لا أعرفه الأموال العظيمة، و يعود بعد سنين و هي بختومها فأخجله بذلك و آل الأمر [١] إلى أن زار رجلا من الصالحين المنقطعين إلى اللَّه تعالى، فقال: لو صحبتنا لنستفيد منك و تستفيد منا، فقال: ردني عن هذا قول الشاعر:
إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن * * * بمنزلة إلّا رضيت بدونها
فأنا أكتفي بعيشي هذا، فقال: يا شيخ ما هذا بيت شعر هذا بيت مال، ثم قال:
اللهم أغننا كما أغنيت هذا الشيخ، و اعتزل السلطان فقيل له: لو تركت المناصب في عنفوان شبابك، فقال:
كنت في سفرة البطالة و الجهل * * * زمانا فحان مني قدوم
تبت من كل مأثم فعسى يمحى * * * بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمس و أربعين لقد ما * * * طلت إلّا أن الغريم كريم
و لما أحس بالموت كتب كتابا إلى من يصل إليه من الأمراء و الرؤساء الذين من ديار بكر و الكوفة يعرفهم أن حظية له توفيت، و أن تابوتها يجتاز بهم إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، و خاطبهم في المراعاة لمن يصحبه و يخفره، و كان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته، و أن ينطوي خبره فتم له ذلك.
و توفي في رمضان بميافارقين عن ست و أربعين سنة، و حمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فدفن هناك.
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا عبد المحسن بن محمد قال: حدثني أبو منصور محمد بن علي الواسطي قال: حدثني الأمير منتخب الملل قال: كان ابن المغربي مختفيا بالقاهرة و السلطان يطلب دمه، و كان بمصر صبي أمرد مما انتهى الحسن إليه في
[١] في الأصل: «و آل أمره».