المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١١٤ - ٣٠٦٣- عبد الرحمن
سمع القاضي المحاملي، و يوسف بن يعقوب، و حضر مجلس أبي بكر ابن الأنباري، و كان إماما ثقة ورعا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني أبو القاسم منصور بن عمر الفقيه الكرخي، قال: لم أر في الشيوخ من تعلم العلم للَّه خالصا لا يشوبه شيء من الدنيا غير أبي أحمد الفرضيّ، فإنه كان يكره أدنى سبب حتى المديح لأهل العلم [١] و كان قد اجتمعت فيه أدوات الرئاسة من قراءات و اسناد و حالة متسعة من الدنيا، و كان أورع الخلق، و كان يبتدئ كل يوم بتدريس القرآن، و يحضر عنده الشيخ الكبير و ذو الهيئة فتقدم عليه الحديث لأجل سبقه، فإذا فرغ من إقراء القرآن تولى قراءة الحديث علينا بنفسه، فلا يزال كذلك حتى يستنفد قوته و يبلغ النهاية في جهده في القراءة، ثم يضع الكتاب من يده فحينئذ يقطع المجلس و ينصرف، و كنت أجالسه و أطيل القعود معه و هو على/ حالة واحدة لا يتحرك و لا يبعث بشيء من أعضائه و لا يغير شيئا من هيئته حتى أفارقه، قال: و بلغني أنه كان يجلس مع أهله على هذا الوصف، و لم أر في الشيوخ مثله.
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد [٢]، أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثني عيسى بن أحمد الهمذاني، قال: سمعت علي بن عبد الواحد بن مهدي، يقول: اختلفت إلى أبي أحمد الفرضيّ ثلاث عشرة سنة لم أره ضحك فيها غير أنه قرأ علينا يوما (كتاب [٣] الإنبساط) فأراد أن يضحك فغطى فمه، و كان إذا جاء إلى أبي حامد الأسفراييني قام أبو حامد من مجلسه و مشى إلى باب مسجده حافيا مستقبلا له [٤].
قال: و كتب أبو حامد كتابا إلى أبي أحمد يشفع له أن يأخذ عليه القرآن فظن أبو أحمد [٥] أنها مسألة قد استفتي فيها، فلما قرأ الكتاب غضب و رماه عن يده [٦] و قال: لا أقرئ القرآن بشفاعة أو كما قال.
[١] في ص، ل: «المديح لأهل العلم».
[٢] في ص: «أخبرنا عبد الرحمن بن محمد».
[٣] «كتاب»: ساقطة من ل.
[٤] في الأصل: «مستلغيا له».
[٥] في الأصل: «فظن أبو حامد».
[٦] «و رماه عن يده»: ساقطة من ص.