المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٤ - ورود ظلمة طبقت البلد
إلى دار المملكة فمرض و يئس منه، فروسل [١] الخليفة في معنى أخيه قاضي القضاة أبي عبد اللَّه بن ماكولا، و قيل: هو يعرف أمواله فدافع عنه الخليفة و حامي و كادت الحال من الأتراك تشرف على أحد حالين [٢]: اما تسليمه، و اما خرق لا يتلافى فكتب إلى الخليفة في حقه، فحرج في الجواب أنه لم يبق من أمرنا إلّا هذا الناموس في حراسة من عندنا و هو لكم لا لنا، و هذا القاضي لم يتصرف تصرفا سلطانيا يلزمه فيه تبعة، ثم زاد الأمر في ذلك و رجع [٣] الخليفة، فكتب إلى حاجب الحجاب/ رقعة قيل فيها قد زاد الأمر في اطراح مراقبتنا و إسقاط حشمتنا، و صار الأولى أن نغلق بابنا و ندبر أمرنا بما نحرس به جاهنا، فأمسك عن المراجعة ثم إن الجند شغبوا على جلال الدولة، و قالوا: ان البلد لا يحتملنا و إياك فاخرج من بيننا فإنه أولى لك، فقال: كيف يمكنني الخروج على هذه الصورة أمهلوني ثلاثة أيام حتى آخذ حرمي و ولدي و أمضي فقالوا لا نفعل و رموه بآجرة في صدره فتلقاها بيده و أخرى في كتفه فاستجاش الملك الحواشي و العوام، و كان المرتضى و الزينبي و الماوردي عند الملك فاستشارهم في العبور إلى الكرخ كما فعل في المرة الأولى، فقالوا: أ ليس الأمر كما كان و أحداث الموضع قد ذهبوا و حول الغلمان خيمهم إلى ما حول الدار إحاطة بها، و بات الناس على أصعب خطة، فخرج الملك نصف الليل إلى زقاق غامض، فنزل إلى دجلة فقعد في سميرية فيها بعض حواشيه فغرقوها تقديرا أنه فيها، و مضى الملك مستترا إلى دار المرتضى و بعث حرمه إلى دار الخليفة و نهب الجند دار المملكة و أبوابها و ساجها، و رتبوا فيها حفظة فكانت الحفظة تخربها نهارا و تنقل ما اجتمع من ذلك ليلا، و راسل الجند الخليفة في قطع خطبة جلال الدولة فقيل لهم: سننظر، ثم خرج الملك إلى أوانا، ثم إلى كرخ سامرا، ثم خرجوا إليه و اعتذروا، و صلحت الحال.
[ورود ظلمة طبقت البلد]
و في جمادى الآخرة: وردت ظلمة طبقت البلد حتى لم يشاهد الرجل صاحبه الماشي بين يديه،/ و أخذت بالأنفاس حتى لو تأخر انكشافها لهلك كثير من الناس.
[١] في الأصل: «الى دار المملكة بعد أن مرض فروسل».
[٢] في الأصل: «تشرف على أحد أمرين».
[٣] في ل: «من ذلك و رجع الخليفة».