المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٤ - تقليد الشريف أبي أحمد قضاء القضاة
لكما الحاج و أموالهم ذلك يزيد على ألف ألف دينار، فشكروه و انصرفوا [من عنده] [١] و وفى للحاج بذلك و حجوا و لما قرءا بعرفات على جبل الرحمة، قال أهل مكة و أهل مصر و الشام: ما سمعنا عنكم يا أهل بغداد تبذيرا مثل هذا يكون عندكم مثل هذين الشخصين فتستصحبوا بهما معا، فإن هلكا فبأي شيء تتجملون، كان ينبغي أن تستصحبوا كل سنة واحدا/ و لما حجوا عول الأمير على ترك زيارة المدينة، و اعتذر بقعود الأعراب في طريقه و ما يلزمه من الخفارات عند تعويقه، فتقدما الحاج و وقفا عند الجبل [٢] الّذي عند يسار الراجع من مكة، و يرى من بعيد كأنه عنق طائر و منه يعدل القاصد من مدينة الرسول صلى اللَّه عليه و سلّم و يسير في سبخة من ورائها صفينة فقرءا ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [٣] فعند ذلك ضج الناس بالبكاء و لوت الجمال أعناقها نحوهما، و قصد بهم الأمير المدينة، و لما ورد أبو الحسين بن بويه، بغداد أخد هذين القارئين و معهما أبو عبد اللَّه بن البهلول، و كان قارئا محسنا فرتبهم لصلاة التراويح به و هم أحداث، و كانوا يتناوبون الصلاة و يأتمّ بهم و رغب لأجلهم في صلاة التراويح.
و كان أبو الحسين بن الرفّاء تلميذ أبي الحسن [٤] بن الخشاب، و كان ابن الخشاب مليح الصوت حسن التلاوة و أنه [قرأ] [٥] في جامع الرصافة في بعض الليالي الأحياء أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [٦] فتواجد صوفي، و قال: بلى قد آن، ثم جلس و بكى طويلا ثم سكت سكتة طالت [٧] فحرك فإذا به ميت، و كان ابن الخشاب تلميذ أبي بكر بن الآدمي، الموصوف بطيب التلاوة.
و جرى مثل هذا لأبي عبد اللَّه ابن البهلول، قال: فأنبأنا أحمد بن علي ابن
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] في ص، ل: «و وقفا عند الميل».
[٣] سورة: التوبة، الآية: ١٢٠.
[٤] في ص: «تلميذ أبي الحسين».
[٥] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٦] سورة: الحديد، الآية: ١٦.
[٧] «طالت» ساقطة من ل.