المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٧ - ٣١٨٨- أحمد بن كليب الأديب الشاعر
الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن [أحمد] [١] الفقيه الحافظ، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن المذحجي الأديب، قال: كنت اختلف في النحو إلى أبي عبد اللَّه محمد بن خطاب النحويّ في جماعة أيام الحداثة، و كان معنا أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي قضاة الأندلس، قال محمد بن الحسن: و كان من أجمل من رأته العيون [٢]، و كان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب، و كان من أهل الأدب و الشعر، فاشتد كلفه بأسلم و فارق صبره، و صرف فيه القول مستترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه و جرت على الألسنة، و تنوشدت في المحافل فلعهدي بعرس في بعض الشوارع و النكوري الزامر في وسط المحافل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم:
و أسلمني في هواه * * * أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة * * * يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد * * * يسأل عما وشى [٣]
فلو شاء أن يرتشي * * * على الوصل روحي رشا
و مغن محسن يسايره، فلما بلغ هذا المبلغ انقطع عن جميع مجالس الطلب و لزم بيته و الجلوس على بابه، و كان أحمد بن كليب لا شغل له إلّا المرور على باب دار أسلم سائرا أو مقبلا نهاره كله، فانقطع أسلم من الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلى المغرب و اختلط الظلام خرج مستروحا و جلس على باب داره فعيل صبر أحمد بن كليب فتحيل في بعض الليالي و لبس جبة صوف من جباب أهل البادية و اعتم بمثل عمائمهم/ و أخذ بإحدى يديه دجاجا و بالأخرى قفصا فيه بيض، كأنه قدم من بعض الضياع، و نحن جلوس مع أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه و قبل يده، و قال: يا مولاي من يقبض هذا، فقال له أسلم: من أنت، فقال: أجيرك في الضيعة الفلانية. و قد كان يعرف أسماء ضياعه و العاملين فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل يسأله عن أحوال الضيعة. فلما
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] في الأصل: «و كان من أجمل الناس».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.