المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٥ - ٣٠٥١- بدر
تعلمون أنه لا بد لكم منه فلم أفسدتم الحرث، لئن يعترض أحدكم بصاحب زرع لأقابلنه بسفك دمه.
و اجتاز يوما برجل محتطب و قد حمل الحطب [١] على ظهره و هو يبكي، فقال له:
ما لك؟ قال: إني ما استطعمت البارحة طعاما، و كان معي رغيفان أريد أن أتغذى بهما و أبيع الحطب، و أتقوت بثمنه أنا و عيالي، فاجتازني أحد الفرسان فأخذ الرغيفين، فقال: هل تعرفه؟ قال: بوجهه، فجاء به إلى مضيق فوقف معه/ حتى اجتاز العسكر فمر صاحبه فقال: هذا، فأمر بدر أن ينزل عن فرسه و ألزمه حمل الحطب على ظهره في البلد و بيعه و تسليم ثمنه إلي صاحبه جزاء لما فعل [٢]، فرام الرجل أن يفتدي نفسه بمال حتى بلغ بوزن الحطب دراهم، فلم يقبل منه حتى فعل ما أمره به، فقامت الهيبة في النفوس و لم يقدم بعدها أحد من أصحابه على شيء، و كانت جراياته و صدقاته متصلة على الفقهاء و الأشراف و القضاة و الشهود و الأيتام و الضعفاء، و كان يصرف كل سنة ألف دينار إلى عشرين رجلا يحجون عن والدته، و عن عضد الدولة لأنه كان السبب في ملكه، و كان يتصدق في كل جمعة بعشرة آلاف درهم على الضعفاء و الأرامل و يصرف [في] [٣] كل سنة ثلاثة آلاف دينار إلى الأساكفة و الحذائين بين همذان و بغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية، و كان يصرف إلى تكفين الموتى كل شهر عشرين ألف درهم، و يعمر القناطر، و استحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد و خان للغرباء، و لم يمر بماء جار إلا بنى عنده قرية، و كان ينفذ كل سنة في الصدقات على أهل الحرمين و خفر الطريق و مصالحها مائة ألف دينار، و كان ينفق على عمارة المصانع و تنقية الآبار، و جمع العلوفة في الطريق، و كان يعطي سكان المنازل رسوما لقيامها و يحمل إلى الحرمين و الكوفة و بغداد ما يفرق على الأشراف و الفقهاء و القراء و الفقراء و أهل البيوتات، فلما توفي انقطع ذلك و أثر في أحوال أهله و وقف أمر الحج، و كان يكثر من الصلاة و التسبيح و لا يقطع بره عن أحد لذنب، فإن مات أعاد ذلك على ولده، و كان يرتفع إلى خزانته في كل
[١] في الأصل: «و قد يحمل الحطب».
[٢] في الأصل: «جزاء بما فعل».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.