الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٧٧
الكتاب
( لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ) [١] هي الأبنِيةُ ؛ لأَنَّ أَرضَهُم لا يثبُتُ عليها بناءٌ ، أَو لأَنَّهُم لم يعلَمُوا صنعةَ بِنَاءِ البُيُوتِ ، فلَمْ يكُنْ لهُم ما يمنَعُ شُعاعَ الشَّمسِ ويدفَعُ حَرَّها عنهُم ، بل إِذا طَلَعَتِ الشَّمسُ دخَلُوا فِي أَسْرَابٍ لَهُم وإِذا غَرَبَت خَرَجُوا واشتَغَلُوا بتحصيلِ المعاشِ ، فحالُهُم بالضِّدِّ من أَحوالِ سَائِرِ الخَلقِ. وعن مُجَاهِدٍ : إنَ السِّتْرَ اللِّباسُ ، وإِنَّهُم عُرَاةٌ [٢].
( حِجاباً مَسْتُوراً ) [٣] ذَا سَتْرٍ ؛ كمَرْطُوبٍ أَي ذُو رُطُوبَةٍ ، ومَهُولٍ أَي ذُو هَوْلٍ. وقال الأخفَشُ : هو مَفْعُولٌ بمعنى فَاعِل ؛ كمَشُؤُوم ومَيْمُون [٤]. أَو هُو حجابٌ يخلُقُه في أَعيُنِهِم يمنَعُهُم عنْ رؤيةِ النّبِيِّ ٦ ، وذلك الحِجابُ شيءٌ غيرُ مرئيٍّ ، فهُوَ مَسْتُورٌ ، أَو المُرادُ حِجابٌ مِنْ دُونِهِ حِجَابٌ أَو حُجُبٍ ، فهُوَ مستُورٌ بغيرِهِ ، أَو حِجَابٌ يَسْتُرُ أَنْ يُبْصَرَ ، فكيفَ يُبْصِرُ المُحْتَجِبُ بِهِ؟.
( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ ) الآية [٥] أَي ما كانَ اسْتِتَارُكُم في الدُّنيا عندَ ارتِكَابِ الفواحِشِ مخافةَ أَنْ تشهَدَ جَوارِحُكُم بذلكَ كما كُنتُم تستَتِرُونَ منَ النَّاسِ مخافَةَ الفَضِيحَةِ بينَهُم ، بل لم يَكُن في اعتِقَادِكُم أَنَّها تَشْهَدُ عليكُمْ.
الأثر
( إِنَّ اللهَ حَيِيٌ سَتِيرٌ ) [٦] فَعِيلٌ بمعنَى فَاعِل ، مَثَّلَ تَركَهُ تعالى فضيحةَ عبدِهِ إذا ارتَكَب معصيةً بتَرْكِ مَنْ يترُكُ فضيحةَ مَنْ يَرَاهُ عَلَى فاحِشَةٍ حَياءً منه وسَتْراً لَهُ.
( وكَانَ رَجُلاً سِتِّيراً ) [٧] كسِكِّينٍ أَو
[١] الكهف : ٩٠. [٢] انظر غرائب القرآن ( تفسير النّيسابوري ) ٤ : ٤٥٩. [٣] الإسراء : ٤٥. [٤] انظر معاني القرآن للأخفش : ٥١٨. [٥] فصلت : ٢٢. [٦] مسند أَحمد ٤ : ٢٢٤ ، سنن النّسائي ١ : ٢٠٠ ، سنن أَبي داود ٤ : ٣٩ / ٤٠١٢ ، النّهاية ٢ : ٣٤١. [٧] مسند أحمد ٢ : ٥١٥ ، البخاري ٤ : ١٩٠ ، سنن التّرمذي ٥ : ٣٨ / ٣٢٧٤.