انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦ - مقدمة المؤلف
و معه يتمكن العلماء الكبار المتضلعون في الفقه على الغور في مسائله، و كشف النقاب عن حقائقه، و الوصول إلى دقائق لم يصل إليها المتقدمون منهم (جزاهم اللّه عن الإسلام خير الجزاء) و يتقدم هذا العلم بمرور الزمان كتقدم سائر العلوم الإسلامية و غيرها.
و لذا نرى الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الفقه على أنفسهم، و حصروه في أئمّتهم الأربعة، و منعوا الآخرين أن يحوموا حول هذا الحمى، إنّهم لم يتقدموا في هذا العلم إن لم نقل أنّه مال عندهم إلى الغروب و الافول، بينما نرى الفقهاء الذين اقتدوا بأنوار أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله قد ازدهر الفقه عندهم قرنا بعد قرن و عصرا بعد عصر، حتى بلغ إلى كثير من غاياته و أثمرت أغصانه، و طلعت أنواره، هذا و في الآونة الأخيرة شوهدت- و الحمد للّه- معالم حركة من قبل فقهاء الطائفة الاولى نحو التجاوب مع فقهاء أهل البيت عليه السّلام لفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، و لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا!
و من الجدير بالذكر أنّ فقهاء أهل البيت عليه السّلام لم يقنعوا بفتح باب الاجتهاد فحسب، بل أتّفقوا في ضوء إرشادات الأئمة المعصومين عليه السّلام على عدم جواز تقليد الفقهاء الماضين ابتداء، و فرضوا على الناس تقليد العلماء الأحياء فقط، فصار هذا عندهم رمز حياة الفقه و حركته المطّردة، مع ظهور آفاق جديدة في جميع شئونه و مسائله.
٣- لا شكّ في أنا نواجه اليوم مسائل كثيرة مستحدثة في أبواب المعاملات و العبادات لا بدّ من الجواب عنها، لأنّ الإسلام دين خالد و أحكامه خالدة إلى الأبد و قد أكمل اللّه لنا دينه و أتمّ علينا نعمته، و من المعلوم عندنا أنّ شيئا من هذه الأسئلة لا يبقى بلا جواب، بل وردت أحكامها في الاصول الكليّة و القواعد العامّة في الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و في ضوء الاهتداء بهذه الأنوار الإلهية (لا سيما الكتاب و السنة) يتمّ كشف النقاب عنها، أ لم تسمع ما ورد في خطبة حجّة الوداع عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم عن النّار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شيء يقربكم إلى النار و يباعدكم عن الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه» بل قد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت عليه السّلام أنّه: ما من شيء تحتاجه إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّا و قد ورد فيه نصّ حتّى أرش الخدش!