انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٩ - ٢- الاستشارة في امور
الإنسان مرتبة متقدمة في العلم و الفقه و العقل فغبطة المسلمين تقتضي أن لا يترك الاستشارة في اموره، لا سيما في الخطيرة منها، و إلّا فقد خرج عن وظيفته الواجبة عليه، من مراعاة الصالح بل الأصلح، و سقط عن مقامه السامي، فليس للفقيه الاستبداد برأيه في شيء من الامور الراجعة إلى مصالح المجتمع الإسلامي، و لذا ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «من أستبد برأيه هلك و من شاور الرجال شاركها في عقولها» [١].
و من المعلوم أنّ هلاك الوالي يؤدّي إلى هلاك الامة أيضا، بل و قد يؤدّي إلى هلاك الإسلام في برهة من الزمان.
و لهذا أيضا ذكر اللّه الشورى في كتابه في عداد الصلاة و الزكاة، و جعلها من علامات الإيمان، فقال عز و جل: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* ... وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [٢].
و أي أمر أهمّ من أمر الحكومة؟ بل إضافة الأمر إلى الجميع، و كذا ذكر الانتصار في مقابل البغي بعده، لو لم يوجب له ظهورا في الامور الهامة التي لها صلة بالمجتمع، فلا أقل من أنّها أظهر مصاديقها و أوضح مواردها.
بل يظهر ذلك من أمره تعالى للنبي صلّى اللّه عليه و آله بالمشاورة مع المؤمنين و جعلها في عداد العفو عنهم و الاستغفار لهم و جلب قلوبهم إلى الإسلام.
فقال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [٣].
إنّ المشورة مع الناس من أسباب جلب القلوب و مشاركتهم للوالي في الامور، و اجتماعهم حوله و عدم انفضاضهم عنه، و ليست مشاورة النبي صلّى اللّه عليه و آله معهم (و إن كان عالما
[١]. نهج البلاغة، الحكمة ١٦١.
[٢]. سورة الشورى، الآيات ٣٩- ٣٦.
[٣]. سورة آل عمران، الآية ١٥٩.