انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧ - ٣- ما هي حقيقة الإنشاء؟
أقول: أولا: إنّ كون الإنشاء أمرا إيجاديا هو أمر وجداني، سواء في البيع و الهبة و النكاح أو النداء و التمني و الترجّي و غيرها، فالوجدان أصدق شاهد بأنا عند ذكرنا هذه الصيغ نوجد أمرا اعتباريا، لا أنا نعتبر شيئا في أنفسنا ثم نخبر و نكشف عنه.
و ثانيا: أنّه لو كان الإنشاء إبراز الاعتبار النفساني، كان كالخبر يحتمل الصدق و الكذب، فإن الذي ينفي عن الإنشاء احتمال الصدق و الكذب، إنّما هو كونه إيجاديا، و عند إنكاره يكون كالخبر بعينه.
إن قلت: بينهما فرق واضح، فإنّه ليس في الإنشاء وراء الاعتبار النفساني شيء بخلاف الإخبار الذي يحكي عمّا بإزائه في الخارج.
قلت: نعم، و لكن إذا ذكر المبرز (بالكسر) و لم يطابق المبرز (بالفتح) و لم يكن أمرا ثابتا في النفس، كان كاذبا في إبرازه و اظهاره.
و ثالثا:- و هو العمدة- أنّ حقيقة الإنشاء ليست مجرّد الاعتبار النفساني، و لا مجرّد الألفاظ، بل اعتبار عقلائي يوجد بما دلّ عليه مع النّية و القصد.
توضيح ذلك: إنّ حقيقة الملكية في بدء الأمر هي السلطنة الخارجية على شيء، و تمليك الغير عبارة عن تسليطه عليه خارجا، ثم لما أخذت المجتمعات البشرية تتسع و تتنوع تبدلت هذه السلطنة بشكل اعتباري قانوني، و قام الإنشاء مقام الاعطاء الفعلي الخارجي، فمجرّد الاعتبار النفساني لا أثر له عند العقلاء، و لا يوجد السلطة الاعتبارية القانونية، و إنّما توجد هذه السلطة بالفاظ أو أفعال وضعت لها، مع قصد إيجادها، فإنشاء الملكية هو إيجاد اعتبار عقلائي قانوني بأسبابه، لا إيجاد أمر تكويني، و لا إيجاد أمر نفساني حتى لا يحتاج إلى الألفاظ و شبهها، بل إيجاد سلطة قانونية عقلائية و هو يحتاج إلى أسباب خاصة عندهم، و كذلك الطلاق مثلا، هو إيجاد فرقة قانونية عقلائية بأسبابه، و هكذا في سائر الإنشائيات من العقود و الايقاعات، فتدبّر فإنّه حقيق به.