انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - أدلة صحة المعاطاة
و تجارة عن تراض، و مصداق للعقد بما له من المعنى العرفي و اللغوي، و هو العهد أو ما في معناه، فيشملها قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [١] و تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [٢] و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [٣] بل و اطلاقات بعض الروايات الواردة في أبواب المعاملات الواردة على عنوان البيع أو عنوان التجارة أو غير ذلك من أشباهها، فإنّها جميعا عامّة شاملة للمعاطاة و غيرها، و إنكار كونها بيعا أو تجارة و عقدا عرفا، مكابرة واضحة، كيف و جلّ معاملات الناس و تجاراتهم من هذا القبيل، بل قد عرفت أنّ الأصل في البيع كان بصورة المعاطاة و إنما حدث البيع بالصيغة بعد ذلك.
و إن شئت قلت: الإنشاء العقدي و إن لم يكن بصراحة الإنشاء اللفظي من بعض الجهات، و لكن أصرح منه من جهات اخرى، كما لا يخفى على الخبير.
و الحاصل: أنّ المسألة من قبيل الشك في اشتراط شيء في صحة المعاملة، فكما يتمسك بالعمومات لنفي سائر ما يشك فيها، فكذا بالنسبة إلى الإنشاء اللفظي.
الثاني: السيرة المستمرة من زمن النبي الأكرام صلّى اللّه عليه و آله إلى زماننا هذا، بل و قبله، فلا يزالون يتعاملون بالمعاطاة و يرتبون جميع آثار الملك عليها و يرونها بيعا مملّكا من غير حاجة إلى الإنشاء اللفظي.
بل و كذا في غير البيع من الهدايا التي تهدى إلى المؤمنين و أهل العلم و غيرهم، و كذا إجازة المساكن و المراكب و غيرها، و إنكار استقرار سيرة العقلاء و أهل الشرع طرا على ذلك مكابرة واضحة.
و من أعجب ما يمكن أن يقال في المقام القول بأنّ هذه السيرة نشأت من قلة المبالاة في الدين، مع العمل بها من أرباب التقوى و الصلاح، بل لو لم تقبل السيرة المستمرة الواضحة الظاهرة هنا لن تقبل في أي مورد آخر.
و لم يردع عنه الشارع المقدس بل أمضاه قطعا، و لو وردت هنا رواية ناهية لشاعت و ذاعت، لتوفر الدواعي على نقلها.
[١]. سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٢]. سورة النساء، الآية ٢٩.
[٣]. سورة المائدة، الآية ١.