انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - المنصب الثاني القضاء و الحكم بين الناس
المنصب الثاني: القضاء و الحكم بين الناس
فهذا أيضا من مناصب الفقيه و وظائفه الواجبة عليه كفاية، و قد يكون واجبا عينيا، و لا بأس بأن نشير إلى دليله إجمالا و إن كان الكلام فيه مستوفي موكول إلى محله من كتاب القضاء.
فنقول أنّه ثابت له عقلا و نقلا.
أمّا العقل: فلأنّ وقوع المنازعة و الخصومة في الجوامع البشرية ممّا لا يمكن التجنب عنه ما لم تصل إلى مستوى عال من الإيمان و التقوى و الثقافة العالية الدينية و لا بدّ حينئذ من طريق إلى فصلها، كي لا يتسع نطاقها و يذهب بالنظام كلها و يقع الهرج و المرج و إراقة الدماء و غيرها، فيجب التصدي لفصل الخصومات و الحكم بين الناس لجماعة من العلماء وجوبا كفائيا، و أحق الناس به و أولاهم بل القدر المتيقن من بينهم هو الفقيه الجامع للشرائط، العالم بأحكام الإسلام، و شرائط القضاء و الحقوق الواجبة لكل أحد كما لا يخفى، فانّه الذي يرجى منه تحقيق هذا الأمر المهم لا غيره.
و أمّا النقل: فالمعروف بين الأصحاب بل حكي الإجماع عليه عدم جواز التصدي للحكم لغير المجتهد الجامع لشرائط الافتاء و إن كان عالما بالأحكام و الحقوق و الحدود و أحكام القضاء و شرائطه من طريق التقليد، و هذا يكشف عن وجود نص وصل إليهم و لكن خالف فيه شاذ من الفقهاء الأعلام (رضوان اللّه عليهم) منهم صاحب الجواهر و قد يستظهر من اطلاق الآيات الواردة في هذا الشأن مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ و غيرها من أشباهها، اللّهم إلّا أن يقال إنّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة.
و بالنصوص الدالة على أن القضاء أربعة: منهم رجل قضى بالحق و هو يعلم و هو في الجنة [١] و ما أشبهها، فالمدار على الحكم بالحق سواء كان من ناحية التقليد أو الاجتهاد.
و بالسيرة من عصره صلّى اللّه عليه و آله إلى ما بعده فلم يكن جميع القضاة المنصوبين من قبلهم عليهم السّلام
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي، ح ٦.