انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - الشرط الخامس «اعتبار الرضا من المتعاقدين»
و الظاهر أنّ ذكر المسألة في باب الطلاق لشدّة الابتلاء بها هناك، كما أنّ ظاهر كلام أبي حنيفة صحة الإيقاعات من المكره، و كذا العقود الجائزة، و كأنه اعتبر الرضا في خصوص العقود التي لا يمكن جبران الكراهة فيها بالفسخ و إن كان قوله باطلا قطعا.
و سيأتي أنّ كلمات القوم غير محررة في المقام، و أنّ الذي يفقده المكره هو القصد إلى مدلول العقد، أو قصد الجدّ، أو خصوص الرضا؟ و من هنا وقع التضارب و التهافت في كلماتهم حتى لمثل الفقيه الماهر صاحب الجواهر قدّس سرّه.
و لكن لا بدّ من أن نتكلم أولا في دليل المسألة، ثم نبحث عن الذي يفقده عقد المكره، فنقول و منه سبحانه نستمد التوفيق و الهداية:
استدلوا على اعتبار هذا الشرط، أي الاختيار بعد الإجماع بأمور:
١- قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [١].
دلّ صريحا على اعتبار الرضا و أنّ ما ليس كذلك كان من الأكل بالباطل، فيدلّ على المقصود باعتبار الاستثناء و المستثنى منه كليهما، و الظاهر أن الاستثناء هنا منقطع، لأنّ فيه الرضا ليس أكلا بالباطل.
٢- النهي عن أكل المال بالباطل من دون ذكر التراضي في قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [٢] و ذمّه تعالى اليهود على أكلهم أموال الناس بالباطل [٣] و كذا الأحبار و الرهبان و أنّهم: لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [٤].
كل ذلك شاهد على المطلوب.
٣- ما دلّ على اعتبار طيب النفس و الرضا في حلّية أموال مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله في الحديث المعروف: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه».
[١]. سورة النساء، الآية ٢٩.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٨٨.
[٣]. سورة النساء، الآية ١٦١.
[٤]. سورة التوبة، الآية ٣٤.