الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٣ - الفائدة الثانية
تعالى.
أمّا المجموع في (فخشينا) فلا يمكن أن يريد الخضر نفسه، والجمع بلحاظ التفخيم؛ و ذلك لأنّ الخضر لا يفخّم نفسه في قبال اللَّه تعالى، ولا أيضاً في قبال موسى، مضافاً إلى أنّه في الشريعة للسنن الكونية الإلهية يُراعى دقّة الحقائق لا المجازات، وإذا أخذنا في عين الاعتبار ما ورد في صدر القصّة من عبادنا، فنعلم أنّ المراد من الخشية هنا هو مجموع رجال الغيب، وهي مجموعة تسالمت المذاهب المختلفة على وجودها وإن اختلفت تسميتها من الأبدال والأوتاد والسياح والأركان، وأنّ هذا العلم لا يختصّ بالخضر بل إنّ تلك العلوم يزوّد بها رجال هذه المنظومة، فهم وإن كانوا غير موكّلين كلّهم بهذه المهمّة إلّاأنّ العلم بهذا العلم يولد خشية لدى الجميع، وإن كان التنفيذ مختصّاً بواحد منهم، وكأنّه ينوب عنهم في تأدية هذا الفعل.
إنّ هذا الأدب الإلهي الذي أشرنا إليه فيما مضى أيضاً في طلب موسى من الخضر وإجابة الخضر له، إنّما يدلّ على جذر عقائدي يدعم ويولّد تلك المعرفة التي يكون تلفّظ الإنسان بها وخطابه مع الذات المقدسة بما يتلاءم مع مقام الذات وتنزّهها عن المعايب والنواقص، وقد أشار علماء المعرفة إلى هذه النكتة في موارد عدّة، مثلًا في صفة الكرم يرجعونها إلى أنّ الاعتقاد بحسب الفطرة بأنّ فيض وجود اللَّه عزّوجلّ وكمالاته غير متناهية، فالرزق والعطاء لا يكون محدوداً، ومنه ينشأ صفة الكرم.
وهكذا صفة الشجاعة فهي تعود إلى مقام توحيدي بالاعتقاد بأنّ القدرة الحقيقية كلّها ترجع إليه سبحانه، وبالتالي لا يكون هناك أحد مالكاً للقدرة إلّا بإقدار منه، فينشأ من هذا الاعتقاد عدم خشية الإنسان من أحد، وإذا شاهدنا أمثال هذه الصفات من أحد فإنّها تنمّ عن مقدار من التوحيد بنحو الإجمال البسيط في