الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٨١
إذن فالموارد التي مارسها النبيّ صلى الله عليه و آله وأقام في حكومته بإجراءاتها وتنفيذ الإرادة الإلهية فيها، أشار إليها القرآن بذكر بعض تفاصيلها فضلًا عن الإشارة إلى أحكامها.
وإنّ أوامر اللَّه تعالى للنبيّ صلى الله عليه و آله التي وردت في القرآن الكريم كانت بمستوى التنفيذ والتنجيز لا التنظير الكلّي فقط، وهي تشريعات لإقامة الدولة، حتّى أنّ المسلم ليشعر أنّ الإسلام له دخل في كلّ تفاصيل حياته اليومية فضلًا عن كلّيات أحكامها، والنبيّ صلى الله عليه و آله كان أوّل مصداق في تطبيق هذه العلاقة القرآنية.
وبعبارة أُخرى: أنّ أسباب النزول في التشريعات القرآنية في دولة الرسول وحكومته ليس مفاد سبب النزول وثمرته التي هي بيان المعنى الكلّي للتشريع وتوضيحه فقط، بل هناك بعد هام بالغ الخطورة أيضاً في معنى سبب النزول لتلك التشريعات القرآنية: هو أنّ تلك الموارد لأسباب النزول تصدّي من اللَّه تعالى لتدبير الحكم السياسي في المجالات المختلفة بإرادة إلهية لا بإرادة نبويّة.
فمن ثمّ التصرّف الحكومي والحاكمي يسند إليه تعالى، فالحاكم الأوّل في حكومة الرسول صلى الله عليه و آله لم يكن النبيّ صلى الله عليه و آله، بل هو اللَّه تعالى يتصدّى في المنعطفات الخطيرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية وغيرها في دولة وحكومة الرسول صلى الله عليه و آله، والحاكم الثاني هو الرسول صلى الله عليه و آله، وكذلك الحال في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام فإنّ الحاكم الأوّل في المنعطفات الخطيرة هو الباري تعالى ثمّ الرسول صلى الله عليه و آله، عبر ارتباط أمير المؤمنين بالغيب بالعلم اللدني، والحاكم الثالث هو أمير المؤمنين كما في الأمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين في برنامج حكومته عليه السلام، وكذلك في حكومة الحسنين عليهما السلام على العراق، وكذلك في حكومة الإمام المهدي (عج)، وحكومة سائر الأئمّة، فيستشهد بسيرة دولة الرسول في آيات القرآن على أنّ الحاكمية السياسية في التفاصيل الخطيرة كانت بعهدة الباري تعالى.
و ذلك أنّ ممارسة القضاء وإدارة السياسات المالية والاجتماعية وغيرها هي من قبل اللَّه تعالى وثانياً النبيّ صلى الله عليه و آله؛ إذ ولاية الرسول صلى الله عليه و آله التي من خلالها يمارس صلاحياته في الحكم والقضاء هي فرع ولاية اللَّه تعالى، فالحكم الجزئي التنفيذي الإجرائي فضلًا عن الكلّي هو من قبل اللَّه تعالى.