جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) - أبو البركات الباعوني - الصفحة ٢٢١
أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا ! فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي، قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لانصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربى قوله عليه قولنا ؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لامرنه أن يتكلم بلسانه كله، قالوا: مره بذلك. قال: أما إذ عصيتموني، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله. فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده ؟ فسماهم له فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال: يا جارية، ابغيني ثيابي، اللهم إني اعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك من نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت، بحول منك وقوة، يا أرحم الراحمين. ثم قام، فلما دخل على معاوية، أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم، وخطروا خطران الفحول، بغيا في أنفسهم وعلوا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني. فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله، الدار دارك، والاذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم، إني لاستحيي لك منن الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك، إني لاستحيي لك من الضعف، فأيتهما تقرر، وأيهما تنكر، أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، ومالي أن أكون مستوحشا منك ولا منهم، إن وليي الله، وهو يتولى الصالحين. فقال معاوية: يا هذا: إنى كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النصف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك. فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى على رسوله، ثم ذكر عليا عليه السلام، فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له. ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت (*)