دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١ - (الحكم الواقعي و الظاهري)
و امّا الاحكام الظاهرية فهي مثار لبحث واسع وجّهت فيه عدّة اعتراضات للحكم الظاهري تبرهن على استحالة جعله عقلا [١]، و يمكن تلخيص هذه البراهين فيما يلي:
١- ان جعل الحكم الظاهري يؤدّي الى اجتماع الضدّين او المثلين، لان الحكم الواقعي ثابت في فرض الشك بحكم قاعدة الاشتراك المتقدمة [بين العالم و الجاهل]، و حينئذ فان كان الحكم الظاهري المجعول على الشّاك مغايرا للحكم الواقعي نوعا- كالحليّة و الحرمة- لزم اجتماع الضّدين و الّا لزم اجتماع المثلين. و ما قيل سابقا من انّه لا تنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري لانهما سنخان مجرد كلام صوري اذا لم يعط
فاعليّته اي محرّكيّته فقط لوجود المانع من فاعليّته في مرحلة الامتثال. و على اي حال كلما تمّ الملاك (أي المقتضي و الشرط أو قل الموضوع باجزائه و شرائطه) لا بدّ من ان يوجد في علم المولى تعالى حكم يناسبه، و هذا ما يعني به العلماء من ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلقات.
و عليه فبما ان ملاك الحكم هو روحه و قوامه و علته فهو المحرّك في الواقع، و ليس الحكم الّا كاشفا عن ملاكه كاشفية المعلول عن علّته و الدخان عن النار، فلو علمنا بتماميّة قبح قتل المؤمن في نظر الشارع المقدّس و فرضنا انه تعالى لم يوصل لنا حكما يبين لنا فيه حرمة هذا القتل الظلمي فانّ العقل يستكشف ان هذا العمل محرّم، و ليس الحكم بالحرمة في هذه الحالة هي من احكام العقل، و انما هو من مستكشفات العقل، فالعقل دائما كاشف لا حاكم و مشرّع في قبال الشارع، بل شريعة الله تعالى كاملة و ليست بناقصة كي تتمّمها احكام العقل ..
[١] آثار هذه الشبهات ابن قبة و من حذا حذوه، و لا باس بأن يراجع بهذا الصدد منتهى الدراية ج ٤ ص ٢١٥ فما بعد