دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩٤ - و لبيان الحقّ في هذه المسألة ينبغي التفصيل فيها فنقول
كذلك الصلاة و الصيام [١] و جملة من العبادات الاخرى لم تكن غريبة عن ذهنية الناس قبل مجيء الاسلام ... فان مجتمع الجزيرة كان فيه جمع غفير من اصحاب الديانتين السابقتين على الاسلام و كان يعيش تفاعلا مستمرّا مع اصحابهما و هم يمارسون مختلف عباداتهم التي جزء كبير منها مشترك بينهما و بين الاسلام، بل كان في القبائل العربية الاصيلة نفسها من اعتنق احدى الديانتين، و من البعيد افتراض انهم كانوا لا يطلقون اسما عربيا على تلك العبادات رغم شيوعها و دخولها في محل ابتلائهم، و لو كانت مسمّاة عندهم باسماء أخرى لبان ذلك في لغتهم و لنقله تاريخ الادب العربي لا محالة.
و ممّا يعزّز قدم الأسماء ان الاسلام و القرآن الكريم منذ بداية الوحي طرح نفس الأسماء و استعملها لافادة تلك العبادات يوم كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مستضعفا و ليس في مرحلة ايجاد عرف لغوي جديد، و هذا يعني ان تلك الألفاظ لم تكن بدعا من التعبير و لم يستغربها الناس، و هو كاشف عن تعارفها بمعانيها العباديّة قبل ذلك. بل نلاحظ ان القرآن الكريم يعرّض بكفّار الجاهلية و بعبادتهم فيطلق عليها في مجال التعريض اسم «الصلاة»، و هذا ظاهر في ان هذا اللفظ هو الاسم الذي كانوا يطلقونه على عباداتهم كما يطلقه الشارع على ما جاء به، و ذلك كما في قوله تعالى:
و ما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكآء و تصدية [٢].
[١] قال تعالى: كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (البقرة- ١٨٣)
[٢] الانفال- ٣٥.
و المعنى- و الله العالم- انهم لم يكونوا يصلّون و انما كانوا يصفّرون