البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - فصل في البحار و الأنهار
من البحيرات المجتمعة من الأنهار و غيرها من السيول و هي البطائح* و ذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، و ذكروا ابتداءها و انتهاءها و لسنا بصدد بسط ذلك و التطويل فيه و انما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. و قد قال اللَّه تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان و نهران ظاهران. فاما الباطنان ففي الجنة و أما الظاهر ان فالنيل و الفرات
* و في لفظ في البخاري و عنصرهما أي مادتهما أو شكلهما و على صفتهما و نعتهما و ليس في الدنيا مما في الجنة الا سماوية [١] و
في صحيح مسلم من حديث عبيد اللَّه بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «سيحان و جيحان و الفرات و النيل كل من أنهار الجنة»
و قال الامام احمد حدثنا ابن نمير و يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات و النيل و سيحان و جيحان»
و هذا اسناد صحيح على شرط مسلم. و كأن المراد و اللَّه أعلم من هذا ان هذه الأنهار تشبه انهار الجنة في صفائها و عذوبتها و جريانها و من جنس تلك في هذه الصفات و نحوها كما قال في الحديث الآخر الّذي
رواه الترمذي و صححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «العجوة من الجنة و فيها شفاء من السمّ»
اى تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره و كذا
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «الحمى من فيح جهنم فأبرودها بالماء»
و كذا
قوله «إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فان شدة الحر من فيح جهنم»
* و هكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض* أما النيل. و هو النهر الّذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته و لطافته و بعد مسراه فيما بين مبتدئه الى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر [٢] أي البيض و منهم من يقول جبال القمر بالإضافة الى الكوكب و هي في غربي الأرض وراء خط الاستواء الى الجانب الجنوبي. و يقال انها حمر ينبع من بينها عيون* ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة. ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر. ثم يخرج منها أنهار ستة. ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى. ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان
[١] كذا بالأصول
[٢] هذا يؤيد قول الثقات الّذي نقلناه عن الأستاذ زكى پاشا فيما تقدم.