البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٩
و الياس بتقدير وجودهما و صحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة و هذا لا يسوغ شرعا و هذا موضوع أيضا. و قد أورد ابن عساكر طرقا فيمن اجتمع باليأس من العباد و كلها لا يفرح بها لضعف إسنادها أو لجهالة المسند اليه فيها* و من أحسنها ما قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني بشر بن معاذ حدثنا حماد بن واقد عن ثابت قال كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة فدخلت حائطا أصلى فيه ركعتين فافتتحت (حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ). فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال لي إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي* و إذا قلت قابل التوب فقل يا قابل التوب تقبل توبتي. و إذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني. و إذا قلت ذي الطول فقل يا ذا الطول تطول عليّ برحمة فالتفت فإذا لا أحد و خرجت فسألت مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقالوا ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون الا أنه الياس. و قوله تعالى. (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي للعذاب إما في الدنيا و الآخرة أو في الآخرة و الأول أظهر على ما ذكره المفسرون و المؤرخون. (و قوله إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) أي إلا من آمن منهم و قوله (وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) أي أبقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير و لهذا قال (سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ) أي سلام على الياس. العرب تلحق النون في أسماء كثيرة و تبدلها من غيرها كما قالوا إسماعيل و اسماعين و إسرائيل و اسرائين و الياس و الياسين. و من قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمد و قرأ ابن مسعود و غيره سلام على ادراسين. و نقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال الياس هو إدريس و اليه ذهب الضحاك بن مزاحم و حكاه قتادة و محمد بن إسحاق و الصحيح أنه غيره كما تقدم و اللَّه أعلم.
* بحمد اللَّه تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب البداية و النهاية و يليه الجزء الثاني و أوله (باب ذكر جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعد موسى (عليه السلام)) و قد بذلنا الجهد في تصحيحه و تنقيحه مع الأستاذ العلامة و المحقق الفهامة الشيخ محمود الامام المنصوري من كبار المدرسين بالأزهر الشريف فصار الكتاب مصححا تصحيحا جيدا إلا ما سبق عنه النظر و زاغ عنه البصر* (هذا) و ليعلم أيضا أنه طبع على ثلاث نسخ قديمة مهمة ما عدا الثمانية ملازم الأول فإنها طبعت على النسختين الموجودتين بالمكتبة الملكية المصرية قبل أن تصلنا النسخة الحلبية. و قد تعهد الأستاذ العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ الحلبي بمقابلة الملازم المذكورة بالنسخة الحلبية العظيمة و بيان الاختلاف لنلحقه بآخر الكتاب. بعون الملك الوهاب مع ما يعرض في أثناء الطبع من الملاحظات فنرجو من قراء هذا الجزء أن ينهونا على ما يقع نظرهم عليه من الخطأ و الصواب لنستدركه في آخر الكتاب و لهم الأجر و الثواب* حرره الفقير اليه فرج اللَّه ذكي الكردي