البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٨ - أما الخضر
اللَّه في كتابه عنهما.
و قد دل سباق القصة على نبوته من وجوه. أحدها قوله تعالى فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً الثاني قول موسى له (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) فلو كان وليا و ليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة و لم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الّذي اختصه اللَّه به دونه فلو كان غير نبي لم يكن معصوما و لم تكن لموسى و هو نبي عظيم و رسول كريم واجب العصمة كبير رغبة و لا عظيم طلبة في علم ولى غير واجب العصمة و لما عزم على الذهاب اليه و التفتيش عليه و لو أنه يمضى حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة ثم لما اجتمع به تواضع له و عظمه و اتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى اليه كما يوحى اليه و قد خص من العلوم اللدنية و الأسرار النبويّة بما لم يطلع اللَّه عليه موسى الكليم نبي بنى إسرائيل الكريم و قد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني [١] على نبوة الخضر (عليه السلام). الثالث أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام و ما ذاك إلا للوحى اليه من الملك العلام* و هذا دليل مستقل على نبوته. و برهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. و لما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الّذي لم يبلغ الحلم علما منه بانه إذا بلغ يكفر و يحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر و عقوبته دل ذلك على نبوته و انه مؤيد من اللَّه بعصمته.
و قد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر و صححه.
و حكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا. الرابع أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى و وضح له عن حقيقة أمره و جلى قال بعد ذلك كله (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) يعنى ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به و أوحى الى فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته* و لا ينافي ذلك حصول ولايته بل و لا رسالته كما قاله آخرون. و أما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. و إذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته و ان الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون اليه و لا معتمد يعتمدون عليه.
و أما الخلاف في وجوده الى زماننا هذا فالجمهور على انه باق الى اليوم. قيل لانه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. و قيل لانه شرب من عين الحياة فحيي.
[١] و في النسختين الموجودتين في المكتبة المصرية (البرقاني).