البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - ذكر نبوة يوشع و قيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى و هارون (عليهما السلام)
قبل موسى أخيه بنحو من سنتين. و بعده موسى في التيه أيضا كما قدمنا و انه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك فكان الّذي خرج بهم من التيه و قصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون (عليه السلام) فذكر أهل الكتاب و غيرهم من أهل التاريخ أنه قطع بنى إسرائيل نهر الأردن و انتهى الى أريحا و كانت من أحصن المدائن سورا و اعلاها قصورا و أكثرها أهلا فحاصرها ستة أشهر. ثم إنهم أحاطوا بها يوما و ضربوا بالقرون يعنى الابواق و كبروا تكبيرة رجل واحد فتفسخ سورها و سقط وجبة واحدة فدخلوها و أخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم و قتلوا اثني عشر ألفا من الرجال و النساء و حاربوا ملوكا كثيرة. و يقال إن يوشع ظهر على أحد و ثلاثين ملكا من ملوك الشام. و ذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر. فلما غربت الشمس أو كادت تغرب و يدخل عليهم السبت الّذي جعل عليهم و شرع لهم ذلك الزمان قال لها إنك مأمورة و أنا مأمور اللَّهمّ احبسها على فحبسها اللَّه عليه حتى تمكن من فتح البلد و أمر القمر فوقف عند الطلوع و هذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر و الأول و هو قصة الشمس المذكورة في الحديث الّذي سأذكره.
و أما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب و لا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق و لا تكذب و لكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر و الأشبه و اللَّه أعلم أن هذا كان في فتح بيت المقدس الّذي هو المقصود الأعظم و فتح أريحا كان وسيلة اليه و اللَّه أعلم.
قال الإمام احمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس.
انفرد به أحمد من هذا الوجه و هو على شرط البخاري. و فيه دلالة على أن الّذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون (عليه السلام) لا موسى و ان حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا. و فيه أن هذا كان من خصائص يوشع (عليه السلام) فيدل على ضعف الحديث الّذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبى طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ركبته فسأل رسول اللَّه أن يردها عليه حتى يصلى العصر فرجعت. و قد صححه على بن صالح المصري و لكنه منكر ليس في شيء من الصحاح و لا الحسان و هو مما تتوفر الدواعي على نقله و تفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها و اللَّه أعلم. و
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة و هو يريد أن يبنى بها و لما يبن. و لا آخر قد بنى بنيانا و لم يرفع سقفها و لا آخر قد اشترى غنما أو خلفات و هو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة و أنا مأمور اللَّهمّ احبسها على شيئا فحبست عليه حتى فتح اللَّه عليه فجمعوا ما غنموا فاتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه