البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - ذكر نبوة يوشع و قيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى و هارون (عليهما السلام)
فهذا الّذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الّذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين يحتاجون اليه الى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان. و قد ذكروا في السفر الثالث أن اللَّه أمر موسى و هارون أن يعدّ ابني إسرائيل على اسباطهم و ان يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا و هو النقيب و ما ذاك الا ليتأهّبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه و كان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة. و لهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى (عليه السلام) عين ملك الموت لانه لم يعرفه في صورته تلك و لأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه و لم يكن في قدر اللَّه أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون (عليه السلام) كما أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع. ثم حج في سنة عشر ثم رجع فجهز. جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج اليهم امتثالا لقوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ و لما جهز رسول اللَّه جيش أسامة توفى عليه الصلاة و السلام و اسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه و خليفته أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه ثم لما لم أشعث جزيرة العرب و ما كان دهى من أمر أهلها و عاد الحق إلى نصابه جهز الجيوش يمنة و يسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس و الى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ففتح اللَّه لهم و مكن لهم و بهم و ملكهم نواصي أعدائهم كما سنورده عليك في موضعه إذا انتهينا اليه مفصلا إن شاء اللَّه بعونه و توفيقه و حسن إرشاده* و هكذا موسى (عليه السلام) كان اللَّه قد أمره أن يجند بنى إسرائيل و أن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً و قال اللَّه إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يقول لهم لئن قمتم بما أوجبت عليكم و لم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك كما قال تعالى لمن تخلف من الاعراب عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة الحديبيّة «قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً» و هكذا قال تعالى لبني إسرائيل فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم و نقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم و أديانهم. و قد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى و للَّه الحمد.
و المقصود أن اللَّه تعالى أمر موسى (عليه السلام) أن يكتب أسماء المقاتلة من بنى إسرائيل ممن يحمل