البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - قصة قارون مع موسى (عليه السلام)
أعطانى ما أعطانى قال اللَّه تعالى ردا عليه ما ذهب اليه أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم و خطاياهم من هو أشد من قارون قوة و أكثر أموالا و أولادا فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر ما لا منه و لم يكن ماله دليلا على محبتنا له و اعتنائنا به كما قال تعالى وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً و قال تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ و هذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا اليه من معنى قوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي و أما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح لان الكيمياء تخييل و صبغة لا تحيل الحقائق و لا تشابه صنعة الخالق و الاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به و قارون كان كافرا في الباطن منافقا في الظاهر. ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير و لا يبقى بين الكلامين تلازم و قد وضحنا هذا في كتابنا التفسير و للَّه الحمد. قال اللَّه تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس و مراكب و خدم و حشم فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله و غبطوه بما عليه و له فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح الزهاد الألباء قالوا لهم وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً أي ثواب اللَّه في الدار الاخرة خير و أبقى و أجل و أعلى قال اللَّه تعالى و لا يلقاها إلا الصابرون أي و ما يلقى هذه النصيحة و هذه المقالة و هذه الهمة السامية الى الدار الاخرة العلية عند النظر الى زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى اللَّه قلبه و ثبت فؤاده و أيد لبه و حقق مراده و ما أحسن ما قال بعض السلف إن اللَّه يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات و العقل الكامل عند حلول الشهوات. قال اللَّه تعالى فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ. لما ذكر تعالى خروجه في زينته و اختياله فيها و فخره على قومه بها قال فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ كما
روى البخاري من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض الى يوم القيامة. ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحوه.
و قد ذكر ابن عباس و السدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تقول لموسى (عليه السلام) و هو في ملأ من الناس إنك فعلت بى كذا و كذا فيقال إنها قالت له ذلك فارعد من الفرق و صلّى ركعتين. ثم أقبل عليها فاستحلفها من ذلك على ذلك و ما حملك عليه فذكرت أن قارون هو الّذي حملها على ذلك و استغفرت اللَّه و تابت اليه فعند ذلك خر موسى للَّه ساجدا و دعا اللَّه على قارون فأوحى اللَّه اليه انى قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه فامر موسى الأرض أن تبتلعه و داره فكان ذلك فاللَّه أعلم و قد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر