البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
مصاحبا درعك المعروفة بك لِتَكُونَ أي أنت آية لِمَنْ خَلْفَكَ أي من بنى إسرائيل دليلا على قدرة اللَّه الّذي أهلكه. و لهذا قرأ بعض السلف لتكون لمن خلقك آية [١]. و يحتمل أن يكون المراد ننجيك مصاحبا لتكون درعك علامة لمن وراءك من بنى إسرائيل على معرفتك و إنك هلكت و اللَّه أعلم. و قد كان هلاكه و جنوده في يوم عاشوراء. كما
قال الامام البخاري في صحيحه حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة و اليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (أنتم أحق بموسى منهم فصوموا.)
و أصل هذا الحديث في الصحيحين و غيرهما و اللَّه أعلم
فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
قال اللَّه تعالى فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ. وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ. وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ. قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ. وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون و جنوده في غرقهم و كيف سلبهم عزهم و مالهم و أنفسهم و أورث بنى إسرائيل جميع أموالهم و أملاكهم كما قال كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ و قال وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ و قال هاهنا وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ أي أهلك ذلك جميعه و سلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا و هلك الملك و حاشيته و أمراؤه و جنوده و لم يبق ببلد مصر سوى العامة و الرعايا. فذكر ابن عبد الحكم في تاريخ مصر أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها بسبب أن نساء الأمراء و الكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة فكانت لهن السطوة عليهم و استمرت هذه سنة نساء مصر الى يومك هذا.
و عند أهل الكتاب أن بنى إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل اللَّه ذلك الشهر أول سنتهم و أمروا أن يذبح كل أهل بيت حملا من الغنم فان كانوا لا يحتاجون الى حمل فليشترك الجار و جاره فيه
[١] بالقاف أي و لتكون لخالقك آية كسائر آياته