البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - ذكر هلاك فرعون و جنوده
الخوف و الذعر لما قاسوا في سلطانه من الإهانة و المنكر فشكوا الى نبي اللَّه ما هم فيه مما قد شاهدوه و عاينوه فقال لهم الرسول الصادق المصدوق كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ و كان في الساقة فتقدم الى المقدمة و نظر الى البحر و هو يتلاطم بأمواجه و يتزايد زبد اجاجه و هو يقول هاهنا أمرت و معه أخوه هارون و يوشع بن نون و هو يومئذ من سادات بنى إسرائيل و علمائهم و عبادهم الكبار و قد أوحى اللَّه اليه و جعله نبيا بعد موسى و هارون (عليهما السلام) كما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه* و معهم أيضا مؤمن آل فرعون و هم وقوف و بنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف* و يقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارا في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن و يقول لموسى (عليه السلام) يا نبي اللَّه أ هاهنا أمرت. فيقول نعم. فلما تفاقم الأمر و ضاق الحال و اشتد الأمر و اقترب فرعون و جنوده في جدهم و حدهم و حديدهم و غضبهم و حنقهم و زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم الى موسى الكليم أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فلما ضربه يقال إنه قال له انفلق باذن اللَّه و يقال إنه كناه بابي خلد فاللَّه أعلم قال اللَّه تعالى فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ و يقال إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا لكل سبط طريق يسيرون فيه حتى قيل إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا و في هذا نظر لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه. و هكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الّذي يقول للشيء كن فيكون و أمر اللَّه ريح الدبور فلقحت حال البحر فاذهبته حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول و الدواب. قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى و المقصود أنه لما آل أمر البحر الى هذه الحال باذن الرب العظيم الشديد المحال أمر موسى (عليه السلام) أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين و قد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين و يهدى قلوب المؤمنين فلما جاوزوه و جاوزه و خرج آخرهم منه و انفصلوا عنه كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون اليه و وفودهم عليه فأراد موسى (عليه السلام) أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون و جنوده وصول اليه. و لا سبيل عليه فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال و هو الصادق في المقال وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. وَ أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ. وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ. فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ. فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ. كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ. وَ لَقَدْ