البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - فصل
هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ. وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. وَ نادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ. فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلًا لِلْآخِرِينَ يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم الى فرعون الخسيس اللئيم و أنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات تستحق أن تقابل بالتعظيم و التصديق و أن يرتدعوا عماهم فيه من الكفر و يرجعوا الى الحق و الصراط المستقيم فإذا هم منها يضحكون و بها يستهزءون و عن سبيل اللَّه يصدون و عن الحق يصدون فأرسل اللَّه عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضا و كل آية أكبر من التي تتلوها لأن التوكيد أبلغ مما قبله وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ لم يكن لفظ الساحر في زمنهم نقصا و لا عيبا لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السحرة و لهذا خاطبوه به في حال احتياجهم اليه و ضراعتهم لديه قال اللَّه تعالى. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه و عظمة بلده و حسنها و تخرق الأنهار فيها* و هي الخلجانات التي يكسرونها أمام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه و حليته و أخذ يتنقص رسول اللَّه موسى (عليه السلام) و يزدريه بكونه لا يَكادُ يُبِينُ يعنى كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة التي هي شرف له و كمال و جمال و لم تكن مانعة له أن كلمه اللَّه تعالى و أوحى اليه و أنزل بعد ذلك التوراة عليه و تنقصه فرعون لعنه اللَّه بكونه لا أساور في بدنه و لا زينة عليه و انما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلا و أتم معرفة و أعلى همة و أزهد في الدنيا و أعلم بما أعد اللَّه لأوليائه في الأخرى و قوله أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ لا يحتاج الأمر الى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة فالملائكة يعظمون و يتواضعون لمن هو دون موسى (عليه السلام) بكثير كما جاء في الحديث إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع فكيف يكون تواضعهم و تعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة و التسليم و التكريم* و ان كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعا لذوي الألباب و لمن قصد الى الحق و الصواب و يعمى عما جاء به من البينات و الحجج الواضحات من نظر الى القشور و ترك لب اللباب و طبع على قلبه رب الأرباب و ختم عليه بما فيه من الشك و الارتياب كما هو حال فرعون القبطي العمى الكذاب قال اللَّه تعالى فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ أي استخف عقولهم و درجهم من حال الى حال الى أن صدقوه في دعواه الربوبية لعنه اللَّه و قبحهم إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ