البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - فصل
قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق إذا جاء الشر أسندوه اليه و إن رأوا خيرا ادعوه لأنفسهم. قال اللَّه تعالى أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي اللَّه يجزيهم على هذا أوفر الجزاء وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي مهما جئتنا به من الآيات و هي الخوارق للعادات فلسنا نؤمن بك و لا نتبعك و لا نطيعك و لو جئتنا بكل آية. و هكذا أخبر اللَّه عنهم في قوله إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قال اللَّه تعالى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ أما الطوفان فعن ابن عباس هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع و الثمار. و به قال سعيد بن جبير و قتادة و السدي و الضحاك* و عن ابن عباس و عطاء هو كثرة الموت* و قال مجاهد الطوفان الماء و الطاعون على كل حال* و عن ابن عباس أمر طاف بهم* و قد
روى بن جرير و ابن مردويه من طريق يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن مينا عن عائشة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الطوفان الموت
و هو غريب* و اما الجراد فمعروف* و قد
روى أبو داود عن أبى عثمان عن سلمان الفارسي قال سئل رسول اللَّه عن الجراد فقال أكثر جنود اللَّه
لا آكله و لا أحرمه و ترك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أكله إنما هو على وجه التقذر له كما ترك أكل الضب و تنزه عن أكل البصل و الثؤم و الكراث لما ثبت في الصحيحين عن عبد اللَّه بن أبى أو في قال غزونا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبع غزوات نأكل الجراد.
و قد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث و الآثار في التفسير. و المقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعا و لا ثمارا و لا سبدا و لا لبدا. و أما القمل فعن بن عباس هو السوس الّذي يخرج من الحنطة و عنه انه الجراد الصغار الّذي لا أجنحة له. و به قال مجاهد و عكرمة و قتادة. و قال سعيد بن جبير و الحسن هو دواب سود صغار* و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هي البراغيث* و حكى ابن جرير عن أهل العربية أنها الحمنان و هو صغار القردان (فرق القمقامة) فدخل معهم البيوت و الفرش فلم يقر لهم قرار و لم يمكنهم معه الغمض و لا العيش. و فسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف و قرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف. و أما الضفادع فمعروفة لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم و أوانيهم حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعام أو شراب سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع. و أما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دما عبيطا و لا من نهر و لا بئر و لا شيء إلا كان دما في الساعة الراهنة. هذا كله لم ينل بنى إسرائيل من ذلك شيء بالكلية.
و هذا من تمام المعجزة الباهرة و الحجة القاطعة أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى (عليه السلام) فينالهم عن آخرهم و لا يحصل هذا لأحد من بنى إسرائيل و في هذا أدل دليل. قال محمد بن إسحاق فرجع عدو اللَّه فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مفلولا ثم أبى إلا الاقامة على الكفر و التمادي في الشر