البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - فصل
النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ كان يدعوهم الى عبادة رب السموات و الأرض الّذي يقول للشيء كن فيكون و هم يدعونه الى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون و لهذا قال لهم على سبيل الإنكار وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى اللَّه من الأنداد و الأوثان و أنها لا تملك من نفع و لا إضرار فقال لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ أي لا تملك تصرفا و لا حكما في هذه الدار فكيف تملكه يوم القرار* و أما اللَّه عز و جل فإنه الخالق الرازق للأبرار و الفجار و هو الّذي أحيا العباد و يميتهم و يبعثهم فيدخل طائعهم الجنة و عاصيهم الى النار.
ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ قال اللَّه فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا أي بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم باللَّه و مكرهم في صدهم عن سبيل اللَّه مما أظهروا للعامة من الخيالات و المحالات التي ألبسوا بها على عوامهم و طغامهم و لهذا قال وَ حاقَ أي أحاط بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا أي تعرض أرواحهم في برزخهم صباحا و مساء على النار وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ و قد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير و للَّه الحمد و المقصود أن اللَّه تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم و إرسال الرسول اليهم و ازاحة الشبه عنهم و أخذ الحجة عليهم منهم فبالترهيب تارة و الترغيب أخرى كما قال تعالى. وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون و هم قومه من القبط بالسنين و هي أعوام الجدب التي لا يستغل فيها زرع و لا ينتفع بضرع و قوله وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ و هي قلة الثمار من الأشجار لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي فلم ينتفعوا و لم يرعوا بل تمردوا و استمروا على كفرهم و عنادهم فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ و الخصب و نحوه قالُوا لَنا هذِهِ أي هذا الّذي نستحقه و هذا الّذي يليق بنا وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا و لا يقولون في الأول انه بركتهم و حسن مجاورتهم و لكن