البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٣ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
لَسارِقُونَ. قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ. قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ. قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ. قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ. قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ) يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف و إيوائه اليه و إخباره له سرا عنهم بأنه أخوه و أمره بكتم ذلك عنهم و سلاه عما كان منهم من الإساءة اليه* ثم احتال على أخذه منهم و تركه إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته. و هي التي كان يشرب بها و يكيل بها للناس الطعام عن غرته في متاع بنيامين. ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك و وعدهم جعالة على رده حمل بعير و ضمنه المنادي لهم فاقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه و هجنوه فيما قاله لهم و (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ. قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ). و هذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع الى المسروق منه و لهذا قالوا (كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ). قال اللَّه تعالى (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ) ليكون ذلك أبعد للتهمة و أبلغ في الحيلة ثم قال اللَّه تعالى كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ أي لو لا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) أي في العلم (وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) و ذلك لأن يوسف كان أعلم منهم و أتم رأيا و أقوى عزما و حزما و إنما فعل ما فعل عن أمر اللَّه له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه و قومه عليه و وفودهم اليه فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين (قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يعنون يوسف* قيل كان قد سرق صنم جده أبى أمه فكسره. و قيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه و هو صغير منطقة كانت لإسحاق ثم استخرجوها من بين ثيابه و هو لا يشعر بما صنعت و انما أرادت أن يكون عندها و في حضانتها لمحبتها له. و قيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. و قيل غير ذلك فلهذا (قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) و هي كلمته بعدها و قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) أجابهم سرا لا جهرا حلما و كرما و صفحا و عفوا فدخلوا معه في الترقق و التعطف فقالوا (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً