البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
الْأَحادِيثِ. وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ينتظر فرج اللَّه و لطفه به وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ أي مسافرون* قال أهل الكتاب كانت بضاعتهم من الفستق و الصنوبر و البطم قاصدين ديار مصر من الشام فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قالَ يا بُشْرى) أي يا بشارتي (هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته و بما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم و مع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة و القدر السابق و الرحمة بأهل مصر بما يجرى اللَّه على يدي هذا الغلام الّذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور و ينفعهم اللَّه به في دنياهم و أخراهم بما لا يحد و لا يوصف. و لما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم و قالوا هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم* بثمن بخس أي قليل نزر و قيل هو الزيف (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ). قال ابن مسعود و ابن عباس و نوف البكالي و السدي و قتادة و عطية العوفيّ باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين. و قال مجاهد اثنان و عشرون درهما. و قال عكرمة و محمد ابن إسحاق أربعون درهما فاللَّه أعلم (وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ) أي أحسنى اليه (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) و هذا من لطف اللَّه به و رحمته و إحسانه اليه بما يريد أن يؤهله له و يعطيه من خيرى الدنيا و الآخرة. قالوا و كان الّذي اشتراه من أهل مصر عزيزها و هو الوزير بها الّذي الخزائن مسلمة اليه* قال ابن إسحاق و اسمه اطفير [١] بن روحيب قال و كان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال و اسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل [٢]. و قال غيره كان اسمها زليخا و الظاهر أنه لقبها. و قيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن ابى هشام [٣] الرفاعيّ. و قال محمد بن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبى صالح عن ابن عباس كان اسم الّذي باعه بمصر يعنى الّذي جلبه اليها مالك ابن ذعر بن نويب بن عفقا [٤] بن مديان بن إبراهيم فاللَّه أعلم.
و قال ابن إسحاق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته أكرمي مثواه و المرأة التي قالت لأبيها عن موسى (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) و أبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا. و قيل بوزنه مسكا و وزنه حريرا و وزنه ورقا. فاللَّه أعلم و قوله (وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أي و كما قيضنا هذا العزيز و امرأته يحسنان اليه و يعتنيان
[١] في نسخة قطفير
[٢] في نسخة رعابيل
[٣] في نسخة ابن هشام
[٤] في نسخة بن عنقاء