البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
و الضياء. و النور) فقال اليهودي أي و اللَّه إنها لأسماؤها.
و عند أبى يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه اللَّه و الشمس أبوه و القمر أمه. (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ. إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات و الحكم و الدلالات و المواعظ و البينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له و لأخيه يعنون شقيقه لأمه بنيامين أكثر منهم و هم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي بتقديمه حبهما علينا* ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده الى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم و تتوفر عليهم و أضمروا التوبة بعد ذلك فلما تمالئوا على ذلك و توافقوا عليه (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) قال مجاهد هو شمعون* و قال السدي هو يهودا* و قال قتادة و محمد بن إسحاق هو أكبرهم روبيل (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي المارة من المسافرين (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الّذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه و تغريبه فاجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ. قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف و أظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم و أن يلعب و ينبسط و قد أضمروا له ما اللَّه به عليم فأجابهم الشيخ عليه من اللَّه أفضل الصلاة و التسليم. يا بنى يشق على أن أفارقه ساعة من النهار و مع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم و ما أنتم فيه فيأتى الذئب فيأكله و لا يقدر على دفعه عنه لصغره و غفلتكم عنه. (قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا و نحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
و عند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل اليهم. و هذا أيضا من غلطهم و خطئهم في التعريب فان يعقوب (عليه السلام) كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ. وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان الا أن غابوا عن