البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - قصة قوم لوط
عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) و قال (وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ. قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) و قال اللَّه تعالى فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ. و ذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا و يسلموا و يقلعوا و يرجعوا. و لهذا قال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ. يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ أي أعرض عن هذا و تكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم و وجب عذابهم و تدميرهم و هلاكهم إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به من لا يرد أمره و لا يرد بأسه و لا معقب لحكمه و إنهم آتيهم عذاب غير مردود.
و ذكر سعيد بن جبير و السدي و قتادة و محمد بن إسحاق أن إبراهيم (عليه السلام) جعل يقول* (أ تهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن إسحاق الى أن قال (أ فرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) الآية و عند أهل الكتاب أنه قال يا رب أ تهلكهم و فيهم خمسون رجلا صالحا فقال اللَّه لا أهلكهم و فيهم خمسون صالحا ثم تنازل الى عشرة فقال اللَّه (لا أهلكهم و فيهم عشرة صالحون) قال اللَّه تعالى و قال وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم و هم جبريل و ميكائيل و إسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان اختبارا من اللَّه تعالى لقوم لوط و إقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا (عليه السلام) و ذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره و حسبهم بشرا من الناس و سيء بهم و ضاق بهم ذرعا و قال هذا يوم عصيب* قال ابن عباس و مجاهد و قتادة و محمد بن إسحاق شديد بلاؤه و ذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم و كانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا و لكن رأى من لا يمكن المحيد عنه* و ذكر قتادة انهم وردوا عليه و هو في ارض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم و انطلق امامهم و جعل يعرّض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية و ينزلوا في غيرها فقال لهم فيما قال يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره اربع مرات قال و كانوا قد أمروا ان لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك* و قال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها و كانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا و الصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فاتت أباها