البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٩ - ذكر ثناء اللَّه و رسوله الكريم على عبده و خليله إبراهيم
فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) و
قال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت و رأى إبراهيم و إسماعيل بأيديهما الأزلام فقال قاتلهم اللَّه و اللَّه إن يستقسما بالأزلام قط
[١] لم يخرجه مسلم* و في بعض ألفاظ البخاري قاتلهم اللَّه لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط. فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا الى الخير يقتدى به فيه (قانِتاً لِلَّهِ) أي خاشعا له في جميع حالاته و حركاته و سكناته (حَنِيفاً) أي مخلصا على بصيرة (وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه و لسانه و أعماله (اجْتَباهُ) أي اختاره اللَّه لنفسه و اصطفاه لرسالته و اتخذه خليلا و جمع له بين خيرى الدنيا و الآخرة و قال تعالى وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا يرغب تعالى في اتباع إبراهيم (عليه السلام) لأنه كان على الدين القويم و الصراط المستقيم و قد قام بجميع ما أمره به ربه و مدحه تعالى بذلك فقال (وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) و لهذا اتخذه اللَّه خليلا و الخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم
قد تخللت مسلك الروح منى* * * و بذا سمى الخليل خليلا
و هكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء و سيد الرسل محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه) كما ثبت
في الصحيحين و غيرهما من حديث جندب البجلي و عبد اللَّه بن عمرو و ابن مسعود عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال أيها الناس إن اللَّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. و قال أيضا في آخر خطبة خطبها أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكن صاحبكم خليل اللَّه. أخرجاه من حديث أبى سعيد و ثبت أيضا من حديث عبد اللَّه بن الزبير و ابن عباس و ابن مسعود.
و روى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلّى بهم الصبح فقرأ و اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا. فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم* و قال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم حدثنا إسماعيل بن أحمد ابن أسيد حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة حدثنا عبد اللَّه الحنفي حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة ابن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال جلس ناس من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم و إذا بعضهم يقول عجب أن اللَّه اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله* و قال آخر ما ذا بأعجب من أن اللَّه كلم موسى تكليما. و قال آخر فعيسى روح اللَّه و كلمته.
و قال آخر آدم اصطفاه اللَّه. فخرج عليهم فسلم و قال قد سمعت كلامكم و عجبكم أن إبراهيم خليل اللَّه و هو
[١] قوله ان استقسما إن نافية. أي و اللَّه ما استقسما بالأزلام قط محمود الامام