البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦١ - ذكر مولد إسحاق (عليه السلام)
تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ. قالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) و قال تعالى هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَ قالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ. قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ يذكر تعالى أن الملائكة قالوا و كانوا ثلاثة جبريل و ميكائيل و إسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقرة فلما قربه اليهم و عرض عليهم لم ير لهم همة الى الأكل بالكلية و ذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة الى الطعام (فنكرهم) إبراهيم (وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ). أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا للَّه عليهم و كانت قائمة على رءوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب و غيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال اللَّه تعالى فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) أي بشرتها الملائكة بذلك (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) أي في صرخة (فَصَكَّتْ وَجْهَها) أي كما يفعل النساء عند التعجب (و قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً) أي كيف يلد مثلي و أنا كبيرة و عقيم أيضا و هذا بعلي أي زوجي شيخا تعجبت من وجود ولد و الحالة هذه و لهذا قالت (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) و كذلك تعجب إبراهيم (عليه السلام) استبشارا بهذه البشارة و تثبيتا لها و فرحا بها (قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ. قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) أكدوا الخبر بهذه البشارة و قرروه معه فبشروهما (بِغُلامٍ عَلِيمٍ). و هو إسحاق و أخوه إسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه و صبره و هكذا وصفه ربه بصدق الوعد و الصبر. و قال في الآية الأخرى (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) و هذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي و غيره على أن الذبيح هو إسماعيل و أن إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده و وجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده* و عند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ و هو المشوي رغيفا من مكة فيه ثلاثة اكيال و سمن و لبن. و عندهم أنهم أكلوا و هذا غلط محض* و قيل كانوا يودون أنهم يأكلون و الطعام يتلاشى في الهواء. و عندهم أن اللَّه تعالى قال لإبراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا و لكن اسمها سارة و أبارك عليها و أعطيك منها ابنا و أباركه و يكون الشعوب و ملوك الشعوب منه فخر إبراهيم على وجهه يعنى ساجدا و ضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة يولد لي غلام أو سارة تلد و قد أتت عليها تسعون سنة. و قال إبراهيم للَّه تعالى ليت إسماعيل يعيش قد أمك فقال اللَّه لإبراهيم بحقي إن امرأتك سارة