البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام)
تعالى قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ. قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ. و ذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم* ثم عمدوا الى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب و أطلقوا فيه النار فاضطرمت و تأججت و التهبت و علالها شرر لم ير مثله قط* ثم وضعوا إبراهيم (عليه السلام) في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن و كان أول من صنع المجانيق فخسف اللَّه به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه و يكتفونه و هو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد و لك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل (عليه السلام) في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه الى النار قال حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيم حين القى في النار و قالها محمد حين قيل له إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً. وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ الآية* و
قال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعيّ حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبى جعفر الرازيّ عن عاصم بن أبى النجود عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما القى إبراهيم في النار قال اللَّهمّ إنك في السماء واحد و أنا في الأرض واحد أعبدك
* و ذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال أ لك حاجة فقال أما إليك فلا* و يروى
عن ابن عباس و سعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر اللَّه أسرع (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) قال على بن أبى طالب أي لا تضريه
و قال ابن عباس و أبو العالية لو لا أن اللَّه قال و سلاما على إبراهيم لأذى إبراهيم بردها* و قال كعب الأحبار لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار و لم يحرق منه سوى وثاقه* و قال الضحاك يروى أن جبريل (عليه السلام) كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره* و قال السدي كان معه أيضا ملك الظل. و صار إبراهيم (عليه السلام) في ميل الجوبة حوله النار و هو في روضة خضراء و الناس ينظرون اليه لا يقدرون على الوصول اليه و لا هو يخرج اليهم فعن أبى هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا إبراهيم* و روى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت الى ابنها (عليه السلام) فنادته يا بنى إني أريد أن أجيء إليك فادع اللَّه أن ينجيني من حر النار حولك. فقال نعم فأقبلت اليه لا يمسها شيء من حر النار. فلما وصلت اليه اعتنقته و قبلته ثم عادت* و عن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين و إما خمسين يوما و أنه قال ما كنت أياما و ليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها و وددت أن عيشي و حياتي كلها مثل إذ كنت فيها (صلوات اللَّه و سلامه عليه)