البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - * قصة هود (عليه السلام)
فإنها كانت لنا قال فحميت العجوز و استوفزت و قالت يا رسول اللَّه فإلى أين تضطر مضرك قال فقلت ان مثلي ما قال الأول (معزى حملت حتفها) حملت هذه الأمة و لا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ باللَّه و رسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه و ما وافد عاد و هو أعلم بالحديث منه و لكن يستطعمه قلت ان عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر و يغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج الى جبال تهامة فقال اللَّهمّ انك تعلم أنى لم أجئ الى مريض فأداويه و لا الى أسير فافاديه. اللَّهمّ اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومى الى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقى من عاد أحدا قال فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح الا كقدر ما يجرى في خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا. قال أبو وائل و صدق و كانت المرأة و الرجل إذا بعثوا وفدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد و هكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به و رواه النسائي من حديث سلام أبى المنذر عن عاصم بن بهدلة و من طريقه رواه ابن ماجة.
و هكذا أورد هذا الحديث و هذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير و غيره* و قد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة فان فيما ذكره ابن إسحاق و غيره ذكر لمكة و لم تبن الا بعد إبراهيم الخليل حين اسكن فيها هاجر و ابنه إسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي و عاد الأولى قبل الخليل و فيه ذكر معاوية بن بكر و شعره و هو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى لا يشبه كلام المتقدمين. و فيه أن في تلك السحابة شرر نار و عاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر. و قد قال ابن مسعود و ابن عباس و غير واحد من أئمة التابعين هي الباردة و العاتية الشديدة الهبوب (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) أي كوامل متتابعات* قيل كان أولها الجمعة و قيل الأربعاء (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) شبههم بأعجاز النخل التي لا رءوس لها و ذلك لأن الريح كانت تجيء الى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) و من قال ان اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء و تشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ و خالف القرآن فإنه قال في الآية الأخرى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ و معلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشئومة و هذا لا يقوله أحد و انما المراد في أيام نحسات أي عليهم و قال تعالى وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ أي التي لا تنتج خيرا فان الريح المفردة لا تنثر سحابا و لا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها و لهذا قال (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) أي كالشىء البالي الفاني الّذي لا ينتفع به بالكلية* و قد ثبت
في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه