البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - * قصة هود (عليه السلام)
قال نصرت بالصبا و أهلكت عاد بالدبور
* و أما قوله تعالى وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الأولى فان سياقها شبيه بسياق قوم هود و هم الأولى. و يحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية. و يدل عليه ما ذكرنا و ما سيأتي من الحديث عن عائشة رضى اللَّه عنها* و أما قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فان عادا لما رأوا هذا العارض و هو الناشئ في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال اللَّه تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ أي من العذاب ثم فسره بقوله رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال و الغيران فتلفهم و تخرجهم و تهلكهم و تدمر عليهم البيوت المحكمة و القصور المشيدة فكما منوا بقوتهم و شدتهم و قالوا من أشد منا قوة سلط اللَّه عليهم ما هو أشد منهم قوة و أقدر عليهم و هو الريح العقيم* و يحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الأمر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم و غياث لمن بقي منهم فأرسلها اللَّه عليهم شررا و نارا كما ذكره غير واحد و يكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين و جمع لهم بين الريح الباردة و عذاب النار و هو أشد ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون و اللَّه أعلم* و قد
قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس حدثنا ابن فضل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما فتح اللَّه على عاد من الريح التي أهلكوا بها الا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم و مواشيهم و أموالهم بين السماء و الأرض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح و ما فيها (قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) فالقت أهل البادية و مواشيهم على أهل الحاضرة.
و قد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد عن إسماعيل بن زكريا الكوفي عن أبى مالك عن مسلم الملائى عن مجاهد و سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما فتح اللَّه على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم. ثم أرسلت عليهم البدو الى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا مستقبل أوديتنا و كان أهل البوادي فيها فالقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا قال عتت على خزائنها حتى خرجت من خلال الأبواب.
قلت و قال غيره خرجت بغير حساب* و المقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر. ثم اختلف فيه على مسلم الملائى و فيه نوع اضطراب و اللَّه أعلم* و ظاهر الآية أنهم رأوا عارضا و المفهوم منه لمعة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري ان جعلناه مفسرا لهذه القصة. و أصرح منه في ذلك ما
رواه مسلم في صحيحه حيث قال