رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣١ - فصل
بخلاف ما أرسلوا له، لأنهم إنما أرسلوا لإصلاح الفاسد، و أيّدوا بوسع الطاقة في الاحتمال و الصبر على الأذى و ترك الكبر و الغضب و الحميّة و استعمال الرفق و التأني في الأمور لما يرجى بذلك من الصلاح العام للعالم، و نجاة الذين أرسلوا إليهم و خلاصهم من الجهل و العمى، فإذا لجّت الأمم الطاغية و الأحزاب الباغية في العصيان، و استحوذ عليهم الشيطان بعد أن وجبت عليهم الحجّة و اتضحت لهم المحجّة، أتت الأنبياء بالآيات و أظهرت المعجزات و خرقت العادات، و أحاطت بالذين كذّبوهم البلايا و حلّت بهم الرزايا، و هلك منهم من هلك عن بيّنة، و حي من حي عن بيّنة! فضعفت قوّة إبليس و انطفت نيرانه، و تفرّقت عنه شياطينه، و هلكت أعوانه، و خرست ألسنتهم و اندحضت حجتهم. كذلك الطبيب إذا خالفه العليل أول مرة صبر عليه و رفق به، و داواه بالملاطفة و سهّل عليه الأمر، فإذا تمادى في الخلاف و الخروج عن طاعته و مخالفته فيما يأمر به و استعمال ما ينهاه عنه، خلّاه و مراده لنفسه فيهلك.
و بهذا الشأن يكمل لك يا أخي معرفة مداواة الأنفس و الأجسام فتكون قد أحكمت السياستين و عرفت المنزلتين و إنما أردنا بما ذكرناه تنبيه إخواننا، أيّدهم اللّه بروح منه، و الحثّ لهم على الاجتهاد في معرفة العلوم كلها بحسب ما يتفق لهم، و وقفوا عليه و وجدوا السبيل إليه، و جعلنا ما أوردناه في هذه الرسالة مقدّمات و مداخل و طرقا و منازل إلى نهايات العلوم و غايات الحكم، لعلهم إذا نظروا فيها و وقفوا عليها تشوقت نفوسهم إلى علم ما غاب عنهم منها، فيجدّون في الطلب و يسألون أهل العلم عما لا يعلمون، كما قال عزّ اسمه:
«فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» و كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و سلم: «استعينوا على كل صناعة بأهلها» فعند ذلك يصيرون هداة مهذّبين قد وقفوا على الصّراط المستقيم.