رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٦ - فصل
إلينا و نزوله علينا، فلعلّي و إياك نجتمع في الملك السماوي كاجتماعي و إياك في الملك الأرضي. فقال: افعل. و قويت نيتهما و طابت أنفسهما بذلك.
فلما دخل الرجلان في وقت دخولهما على الملك أعاد القول عليهما و ما يريده من تسليم الملك إليهما، و رجا بذلك سعادة المملكة و أهلها بتدبيرهما و حكمتهما، و رجا لأهل بلده و من يكرم عليه من أهله أن يصلوا إلى مثل ما وصل إليه من ذلك العلم و العمل، فتعمّ البركة و تشمل النعمة و تكمل السعادة، فقبلا ما أهداه إليهما، و تقلّدا ما اعتمد فيه عليهما، و جعل أحدهما و هو المعلم الذي له العلم الإلهي في مقام المملكة و صاحبه في مقام الوزارة.
و اشتغل هو و وزيره في مداومة النظر في العلم و القيام بالعمل و الاجتهاد في العبادة و الزهادة في الدنيا و التهاون بها و اطّراح شهواتها و ترك لذاتها.
فكتب الشيخ إلى الحكيم بذلك فأيس من عودتهما إليه و علم أنهما قد افتتنا بما رأياه و مالت أنفسهما إليه و تمنيا الخلود فيه. و أقاما على ذلك في تدبير الملك و سياسة المملكة إلى أن مات الملك و لحق به وزيره بعد مدة يسيرة، و صارا إلى رحمة اللّه سبحانه و دار كرامته و نالا الملك السماوي و وصلا إليه.
و افتتن الرجلان بالدنيا و تخلّيا عن العلم و العمل، و انهمكا في اللذات الدّنيوية، و استرجع الحكيم ما كان أودعهما إليه من حكمته، فنسيا ما كانا له ذاكرين، و غاب عنهما ما كانا له حاضرين، و فارقا ملك السماء و أخلدا إلى ملك الأرض، فأهبطا من الجنة، و بعدا من الرحمة، و انقلبا على عقبيهما خاسرين، فأهارا و أمارا[١] من حضرهما بما فعلا، و افتتن الناس بهما، و تعلموا منهما ما يضرّهم و لا ينفعهم، و بدت سوآتهما، و قالوا: هذان العالمان اللذان كانا يأمران بترك الدنيا و الزهد فيها قد عادا إلى ما كانا ينهيان عنه و يحذّران منه، و لو لم يعلما أن العاجلة هي النعمة الحاصلة، لما اختاراها و لا رجعا إليها بعد ما علما.
[١] -اهار: أي أوقع غيره كهوّره. امار: ازاغ و زعزع غيره، و جعله يترجرج.