رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٥ - فصل
ثم قدما على الشيخ بالذي هما عليه من الشّعث و قلّة الجمال ما يليق بالنّسّاك من الفقر و سوء الحال. فأخبر الملك بقدوم الرجلين من عند الحكيم ففرح بهما و استبشر، ثم أمر بإيصالهما إليه فدخلا عليه، فقام لهما قائما على قدميه، و أمرهما بالجلوس، فجلسا مجالس العلماء المفيدين، و جلس الملك و الوزير مجالس المتعلمين المستفيدين.
ثم تقدّم المبتدئ بالعلم الرياضي فعلّم الملك و الوزير حتى أحكماه و تعلماه:
الملك و وزيره، و قاما بموجباته و أحكامه.
ثم انفصل الأول و تقدّم الثاني فتلا عليهما الحكمة الإلهية إلى أن بلغا من ذلك غاية ما كان عنده و استفادا ما كان في وسعه. فلما فرغا مما أمرا به و أرادا الانصراف أقبل الملك عليهما و قال:
إني لا أجد لكما مكافأة على ما فعلتماه بي و توليتماه من أمري إلّا أن أسلّم إليكما ملكي فتتدبرانه و تحكمان فيه بما أردتما، و قد أبحتكما جميعه و هو عندي قليل لكما.
فلما سمعا ذلك منه ردّا عليه ردّا جميلا، و انصرفا إلى مكان كان الملك قد أعدّه لهما، فتشاورا فيما عرضه الملك عليهما و أهداه إليهما من ملكه و قد مالت أنفسهما إلى ما رأياه من حسن الدنيا و بهجتها، و ما عايناه من حسن قنيتها و طيب لذّاتها، فقالا:
لا بأس أن تجتمع لنا المنزلتان و ننال السعادتين: الملك في الدنيا و الآخرة، و عزما على ما قبول ما أهدى الملك إليهما من ملكه و الجلوس فيه و القيام به، ثم خلا الملك بوزيره فقال له:
اعلم يا أخي أن هذه الدنيا فانية و لسنا مخلّدين، و قد نلنا من لذّاتها و نعيمها ما قد نلناه، و وصلنا منها إلى ما وصلنا إليه و قدرنا عليه، فهلمّ بنا نتخلى منها و نلزم مداومة النظر في هذا العلم الشريف و العمل اللطيف الذي نصل به إلى الفوز و النجاة من بعد الموت، فإننا لا نشك في وصول الموت