رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٩ - فصل
فصل
و كما قلنا في كيفية قبول نفوس الأخيار إلهام الملائكة فهكذا نقول في قبول نفوس الأشرار وسواس الشياطين، كما بيّنا طرفا منه قبل ذلك:
إن كل إنسان يكون في أفعاله القبيحة و أخلاقه الرديئة و جهالاته المتراكمة بالبهائم أشدّ شبها، فأقول إن نفسه لوسواس الشياطين أسرع قبولا و لطاعة الهوى أسهل انقيادا، كما ذكر اللّه تعالى: «إن الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا» الآية.
فإن قيل كيف يجد الإنسان نفسه في حال إلهام الملائكة و الوحي؟ قل:
كما حكى ذلك الرجل التائب عن نفسه، حين قيل له: من أين لك هذه الحكمة؟ فإن قيل: كيف يرى الإنسان أشخاص الملائكة و ليست بأجسام؟
فقل: كما يرى رسوم الأشياء في المرايا و صورها، و ليست تلك الصور بأجسام.
فإن قيل: كيف يسمع كلامهم و ليسوا بحيوان ذي رئة و لا آلات جسدانية؟
فقل: كما نسمع الصدى. و إنما اختصر بالجواب عن كيفية رؤية الملائكة و استماع كلامهم بجواب مثالي من غير شرح، لأن معرفة حقيقتها مما يحتاج الإنسان فيه إلى بحث شديد و نظر دقيق، كما ذكرنا في رؤية الأشخاص الجرمانية و الأصوات الجسمانية في رسالة الحاسّ و المحسوس؛ و لعل كثيرا من العقلاء يدقّ عليهم فهمها بحقيقتها فكيف بهذه الأمور الروحانية! و الدليل على أن معرفة رؤية الأشخاص الجرمانية و الأصوات الجسمانية عسير فهمها اختلاف العلماء في ذلك، لأن العلماء لا يختلفون في أمور محسوسة إلّا لدقتها، فكيف بالأمور المعقولة!