الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٥٣ - نحو الأصالة
بكثرة في المجتمعات التي تطورت بسرعة وفقدت القوام الأخلاقي والتربوي والاسروي. فلابدّ من تنبّؤ وقوع مثل هذه المشكلات حينما يكون حجم التطور الاقتصادي والصناعي والاجتماعي أوسع من قدرة استيعاب المجتمع[١].
تنطوي الملاحظة أعلاه على أهمية قصوى لفهم الوضع الموجود للحركات السياسية في العالم الثالث والحركات الإسلامية فهماً صحيحاً، فليس كل من انضوى تحت راية هذه الحركات إنما انضمّ إليها اعتقاداً بأهدافها والتزاماً بأفكارها، بل ارتبط بها لأنّه لم يعثر على السبيل الأنسب الذي يلبّي رغباته الباطنية التي يشكِّل الصراع مع الوضع السائد نواتها المركزية.
وثمة أسباب عديدة لهذه الحالة، لكنّها تعود جميعها إلى الإسلام نفسه وخصائصه الاستثنائية، فقد تعرض الإسلام في العصر الراهن للهجوم ليس لكونه ديناً وحسب، وإنما باعتباره خالقاً لحضارة وثقافة وهوية إسلامية، لهذا فإنّ الحركة الإسلامية المعاصرة لا تدعو فقط للعودة إلى الإسلام كنظام اعتقادي وقِيَمي، بل تطالب بالاعتماد على التراث الإسلامي أيضاً.
إنّ البحث عن الأصالة والذات في بلدان العالم الثالث تجلّت بين المسلمين في المرحلة التاريخية الجديدة على هيئة العودة إلى التراث والشخصية والهوية الإسلامية.
فعلى مدى التاريخ الماضي لم توجّه مثل هذه الضغوط على الإسلام وتجعله يتخلّى عن الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية الفعّالة مثلما حصل عملياً في المرحلة الجديدة. ولم تكن هذه الضغوط حديثةً على الإسلام وحسب، وإنما جاءت متناقضة مع خصوصياته الذاتية والداخلية، ولأن الأديان الاخرى لا تتّسم بشمولية
[١] - هذه مشكلة جميع الأيديولوجيات التي تتقدم إلى الأمام لأسباب معينة ليس بينها فهم تلك الإيديولوجيات والرغبة بها، وقد واجهت الماركسية مثل هذه المشكلة في الكثير من بلدان العالم الثالث، للمزيد من الاطّلاع انظر: ايدئولوجي وانقلاب: ٢١٦ ٢١٥.