الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٤٠ - حاكمية النخبة
تقدير[١]. وهذا لا يعني بأن الثقافة والتراث القديمين قد علاهما غبار النسيان تماماً وأن النخبة المتعصرنة الممسكة بالامور قد تجاهلتهما كلياً، بل إنّ الذي حصل هو أن الماضي بات يدرس ويغربل وفق قيم المدنية الجديدة ونظرتها، ولهذا انعدم وجه الشبه مع حقيقته بالشكل الذي كان عليه وبالشكل الذي انتشر بين صفوف الناس، حيث انسجم هذا التصوير للماضي مع الثقافة الحاكمة والطبقة الحاكمة وحاجاتها وميولها وأهدافها[٢].
لهذا السبب تحديداً عاش الناس في هامش الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ كانوا الوسيلة والأداة التي يستخدمها المتسلطون أو المتعطشون للسلطة وكلاهما من الطراز المتجدد والمتعاصر، ولم يكن لهم رأي مستقل، بل ينظرون إلى الأحداث بلا مبالاة، وأحياناً بنوع من الخوف والقلق، كما كان ينقصهم البلوغ الفكري والثقافي الذي يؤهّلهم للتفكير بآراء جديدة، كما كانوا لا يستطيعون مواجهة السلطة المطلقة للثقافة الجديدة الحاكمة على المجتمع، فقد بهرت الجميع بهارج المدنية والمنادين بها وحماتها، وهو سبب يكفي لأن يجعل التحولات الاجتماعية والسياسية في هذه المرحلة التاريخية تتبلور بصورة رئيسية على يد الحكام أو النخبة التي يختلف
[١] - يقدم محمد المبارك وصفاً لهذه المرحلة في مسقط رأسه سوريا في مقدمة مفصلة لكتابه:" الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الاستعمار الغربي"، وهو وصف مليء بالمعاناة والألم على الهجوم الذي تعرضت له هذه الثقافة واللغة والآداب والتقاليد وجميع المظاهر الدينية. وراجع أيضاً:" إسلام در جهان امروز"( الإسلام في عالم اليوم) لكانت وول اسميث: ١١٤١٦١، الذي يبين المشاعر الدينية المجروحة للعرب والمسلمين في العصر الحاضر، في المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط: العدد ٤ لعام ١٩٨١ م.
[٢] - يمكن ملاحظة أمثلة على هذا التصور في كتاب" ناسيوناليسم ترك وتمدن باختر"( القومية التركية والمدنية الغربية) لضياء كوكالب الأب المعنوي لتركيا الحديثة؛ وانظر المقدمة الرائعة لكتاب" علم وتمدن در اسلام"( العلم والحضارة في الإسلام) للسيد حسين نصر في انتقاد مثل هذه الرؤية، وكذلك" ايدئولوجي وانقلاب"( العقيدة والثورة): ٦٩٣ ٦٤٠.