الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٣١٢ - تغلغل القوانين الغربية
استبداد الحكام وجورهم، هذا الاستبداد الذي يعزّز خصّيصة مهمة ألا وهي انتهاك القانون وعدم الخضوع لأية ضابطة .. في هذا الجوّ الملبّد بدأت التحولات الجديدة وتفتحت العيون والآذان، وشعر المسلمون فجأة أنهم يعيشون أسوأ الظروف السياسية والاجتماعية وغاية الانحطاط والتخلف، وهو إحساس لعب المثقفون الجدد دوراً في إثارته. فبنتيجة المقارنة الظاهرية بين مجتمعاتهم والمجتمعات المتطورة توصلوا إلى حصيلة مفادها: أن تخلفهم يعود إلى الاستبداد السياسي الحاكم، وهذا بدوره يكمن في غياب نظام قانوني وحقوقي، ولهذا أطلقوا شعارات التحرر من الاستبداد واعتقدوا أن السبيل الوحيد المؤدي إليها هو تدوين الدستور والقوانين. إذن المشكلة برأيهم تمتدّ جذورها في السلطة الاستبدادية وفقدان الحرية، والقانون هو العلاج الوحيد لحل هذه المشكلة، وبالطبع فإن العلاج الشافي هو القانون الذي يستمد روحه من القوانين الغربية[١]!
ولعلّ هذا الاختيار كان أحد أسوأ الاختيارات التي واجهتها المجتمعات الإسلامية وخلّف وراءه أعراضاً متعددة. ولسنا هنا بصدد بيان السبب، إنما الإشارة إلى سيل القوانين الجديدة التي انهمرت فجأة دون أن تتوفر لها الأرضية الخصبة، في حين لم يكن المسلمون يعانون نقصاً في هذا المجال ليس بشكل قوانين مدونة، وإنما مصادرها من الفقه والتعاليم الإسلامية التي كان بمقدورها أن تلبي الحاجة وتسد الثغرة كما حصل في بعض البلدان الإسلامية[٢].
[١] - كنموذج راجع أعداد صحيفة" قانون" الإيرانية التي كان يرأسها ميرزا ملكم خان.
[٢] - يوضّح عبد العزيز البدري كيفية نفوذ القوانين الجديدة إلى الدولة العثمانية كالتالي:« حتى أن القوانين التي بدأت تدخل بلاد المسلمين في سنة( ١٨٥٧ م) كقانون الجزاء وقانون التجارة وقانون الحقوق فإنها لم توضع موضع التطبيق إلا بعد أن نالت موافقة شيخ الإسلام كبير العلماء وأفتى بجوازها بأنها لا تخالف الأحكام الشرعية، حتى أن العلماء لم يروا أي مبرر لإدخال القانون المدني إلى البلاد الإسلامية، ولذلك وضعت( المجلة) كمواد قانونية في المعاملات مستندة على الأحكام الشرعية حسب فهم واضعيها». الإسلام بين العلماء والحكام: ١٧. انظر أيضاً مقدمة تحرير المجلة، الجزء الأول.