الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٧٤ - انتخاب أبي بكر
لقد خلق الإسلام في تلك البرهة الزمنية تحوّلات اجتماعية تتناسب مع مبادئه وقوانينه وقيمه، وأرسى ركائز مؤسسات اجتماعية دينية وسياسية دينية واقتصادية دينية كثيرة، واختير أبو بكر للخلافة ليتحمل مسؤولية إدارة مثل هذا المجتمع الذي لم يكن من الممكن فصل اموره الدنيوية عن الدينية، إذ كانت ترتبط مع بعضها بوشائج لا تُفلّ، والمهم في ذلك أنّ المجتمع الإسلامي تبلور ومنذ عهده الأول بشكل امتزجت فيه العناصر الدينية والدنيوية حتى أصبح إحراز هذه المناصب في تلك المرحلة لا يستلزم بنظر المسلمين وجود شروط خاصة، بل يكفي لذلك أن يكون الشخص مسلماً، لا سيّما إذا كان يقف على رأس مجموعة معينة[١].
على سبيل المثال: كانت صلاة الجمعة والجماعة إحدى السنن الاجتماعية الدينية للمجتمع الإسلامي الفتي، وكانت تقام بإمامة الرسول (ص) في حال حضوره في المدينة أو في السفر أو في ميدان المعركة، وبإمامة من يستخلفه في حال غيابه، فقد كانت بعهدة أمير الجيش في الحرب وبعهدة من يستخلفه في المدينة حال غيابه عنها.
ينطبق هذا الأمر على بيت المال أيضاً، فقد كان مسؤولًا عنه في حضوره، ويتولّى أمير الجيش أو الخليفة المعين من قبله اموره في غيابه (ص)، وقِس على هذا في الامور الاخرى: كالقضاء والحكم وإدارة الشؤون السياسية والعسكرية. ولم يكن تَبوّء هذه المناصب يعني بنظر المسلمين كسب أصحابها لشأن خاص أو مرتبة دينية معينة، وتبيِّن تجربة المسلمين في المدينة أنّ الحاكم حاكم حال كونه يتصدّى لمسؤولية منصبه، سواء اتسع نطاق هذه المسؤولية أم ضاق، وأن التصدي لهذه
[١] - أسّس الإسلام مجتمعاً جديداً جمع فيه بين القيم الدينية والدنيوية، ويوضّح أحمد أمين في:" فجر الإسلام": ٦٩٩٧ كيف تحقق هذا الدين وغيّره واستمر رغم التراث الجاهلي. كذلك انظر: العقيدة والشريعة في الإسلام: ٩٤٢ و:
Shorter Encyclo paedia of Islam, pp. ٠٥٣- ٠١٥.