الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٣٢ - النتائج الفكرية والاعتقادية
من هذه النظرة أصبح تاريخ تلك المرحلة وبتبعها كل التاريخ الإسلامي لا هو بالأبيض الناصع ولا بالأسود الكالح وإنما تاريخاً رمادياً، وكأنما لا توجد حدود معينة لتمييز الحق عن الباطل. فهم كلّهم مع الحق المطلق أو النسبي دون أي تفاضل وترجيح بينهم، والأهم من ذلك هي حالة الحظر المضروبة على أي جهد يحاول التمييز بين الأفراد والتحكيم حول الأعمال والسلوك وانتقاد الأحداث. وأصبح من المسلّم به أن الجميع مؤمنون، وما اختلاف سلوكهم إلا ناجم عن اختلافهم في الاجتهاد، وليس عن إيمانهم وسائر خصائصهم الذاتية المرتبطة بالإيمان، وطالما كان الأمر كذلك فلا يجوز لنا أن نتساءل عن أفعالهم ونجعلها معياراً لتحديد الحق، بهذه الصورة تلاشت الأرضية الفكرية والنفسية المتضادة لفهم المسائل وتقويمها على الحق أو الباطل، وأثّرت بشدة على الاسس الفقهية والكلامية للبحوث السياسية، سواء كانت حول الخلافة والإمامة أم حول المسائل السياسية الدينية الاخرى[١].
إن التكوين الفقهي والكلامي والتركيب النفسي الديني لأهل السنّة يعتمد على الفكرة القائلة بعدم وجود حقٍّ مطلق وباطل محض في الصراع بين مُسْلمَين، وهي فكرة متأثرة بالدرجة الاولى في تقديس هذه المرحلة التاريخية المضطربة وأفرادها وشخصياتها، وقد خلق هذا التفكير وهذا الطراز النفسي لأهل السنّة مشكلة معاصرة لم يُسبقوا بها؛ ذلك أنهم لم يواجهوا مثل هذه المشكلة في الماضي، أو أنها لم تكن بالحدّة التي عليها الآن، فالحياة المعاصرة والمجتمع الجديد والتاريخ
[١] - كمثال انظر آراء ابن حنبل عن مسلمي صدر الإسلام.[ الأئمة الأربعة: ٤/ ١١٧] وقارنها مع أفكاره وعقائده السياسية على الصفحتين ١١٩ و ١٢٠. وانظر شرح كتاب السنّة، البربهاري كبير الحنابلة في القرن الرابع في: طبقات الحنابلة: ١٨٤٥.
ولاحظ أيضاً: الإبانة عن اصول الديانة لأبي الحسن الأشعري: ١٤٥ ١٤١.