الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٣٠ - النتائج الفكرية والاعتقادية
الآخر وخاضوا في دماء بعضهم؟ وكيف يمكن أن يكون كلا طرفي النزاع على حق؟ إن مثل هذه القضايا لعبت عملياً دور أكبر في بلورة التكوين الكلامي والفقهي والنفسي الديني لأهل السنّة من مجرد الاقتناع بأنه يجب الانطلاق في فهم الإسلام وتفسيره من نافذة تاريخ الصدر الأول[١].
لحلّ هذا الإشكال اضطر أهل السنّة للقول بأن كليهما على حق، وأن كلًا منهما رغم نزاعهما عمل بمسؤوليته ووفق اجتهاده، وعليه فهما مأجوران وسيدخلان الجنة!
لكنّ هذا تسويغ يمكن أن يُبرّر لحالة أو حالتين أو عدة حالات، ويقال: إنّه التباس ليس إلا، فكيف بهم وأن تاريخ صدر الإسلام مليء بمثل هذه الأحداث بحيث لا يمكن أن نضعها إلا في إطار هذا التنافس والتناحر، لاسيما بين من تنتفي حولهم شبهة الالتباس في المصداق؟! وهذه مشكلة أثّرت بشكل كبير في تصوير تاريخ تلك الأيام عند أهل السنّة، كما أنها أثّرت في كل ما يرتبط بالإسلام بصورة من الصور[٢].
[١] - ذكرنا سابقاً أنه لم ينظر إلى تاريخ الصدر الأول من الزاوية الانتقادية إلا الشيعة والمعتزلة.[ فجر الإسلام: ٢٦٦٢٨٧]. ووقف في الجهة المقابلة أصحاب الحديث والحنابلة؛ حيث لم يفكروا إلا بقداسة تلك المرحلة التاريخية ورجالها:« وقد لاحظ بعض المستشرقين أن مسند أحمد تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين، بذكره أحاديث في مناقب بني امية لما كان منتشراً بين الشاميين». ضحى الإسلام: ٢/ ١٢٢.
لم يسلك ابن حنبل هذا المسلك رغم ظروف زمانه إلا جرّاء اعتقاده الجازم بشرعية تلك المرحلة التاريخية ورجالها. راجع في هذا المجال كتاب: الأئمة الأربعة: ٤/ ١١٧. وسوى هاتين الطائفتين كان لعلماء السنّة موقفاً معتدلًا إزاء هذه المسألة. الاقتصاد في الاعتقاد: ٢٠٣٢٠٥، قارن مع آراء غِيب.
[٢] - اتخذ هذا الاجتهاد والتأوّل وسيلة لتبرئة كل من ارتكب أي خطأ. راجع مقدمة السيد محمد تقي الحكيم على كتاب النص والاجتهاد، والكتاب نفسه لمعرفة معنى الاجتهاد، والحالات التي يمكن الاجتهاد فيها. انظر أيضاً الغدير: ٩/ ٣٤١٣٤٩.
ومن المناسب هنا أن نذكر مثالًا على ذلك: فحينما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة طمعاً في الحصول على زوجته طلب عمر من أبي بكر أن يقتصّ منه، لكنّ أبا بكر قال:« ما كنت أقتله، فإنّه تأوّل فأخطأ». الإسلام واصول الحكم: ١٧٩.
وقد استُخدم هذا المفهوم فيما بعد بشكل واسع لتبرئة المجرمين وتراثهم التاريخي، ولترتيب الفهم التاريخي والكلامي والفقهي لأهل السنّة، كمثال انظر في باب فضائل خالد بن الوليد في كتاب كنز العمال: ١٣/ ٣٦٦٣٨٠.
لاشكّ في أنّ توسيع دائرة الاجتهاد وتبرير الخلافات التي كانت بين شخصين موثوقَيْن هو من ضرورات هذا الترتيب، فحول أسباب خلاف عمر وخالد بن الوليد مثلًا يقول الشعبي وهو من كبار فقهاء أواخر القرن الأول، وممن كان له دور مؤثّر في ترتيب الفكر الكلامي والفقهي لأهل السنّة:« اصطرع عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وهما غلامان وكان خالد ابن خال عمر فكسر خالد ساق عمر فعرجت وجبرت، فكان ذلك سبب العداوة بينهما». كنز العمال: ١٣/ ٣٦٩. راجع أيضاً: عمر بن الخطاب: ٤٢٤٤٤٠، لعبد الكريم الخطيب. وعن معركتي الجمل وصفين اللتين وقعتا بين أبرز الأشخاص حينذاك، وتبريرهما دون أن تُمسّ أية شخصية من شخصيات المعركتين بسوء، راجع: مناقب الخلفاء الأربعة في مؤلفات الشيعة، لعبد الستار التونسوي: ٦٤٧٠ والبدعة تحديدها وموقف الإسلام منها: ٢٥٦١، لعزّت علي عطية، والعواصم من القواصم لاسيما هوامش محب الدين الخطيب عليه، وهو كتاب يعد بحق من أكبر كتب التسويغ الديني والتاريخي إذ يحلل ويبرر حتى المسلّمات التاريخية والدينية بما يخالف حقائقها، فعلى سبيل المثال انظر تبرير قتل معاوية لحجر بن عدي: ٢١١٢١٣، وهامش الخطيب في الصفحة ٢١٢. وكذلك دفاع الخطيب عن يزيد في الصفحة ٢١٤. وراجع: ٢٥١ ٢٤٤ وفيها: أن ابن عربي رفض جميع المؤرخين سوى الطبري؛ لأنهم نقلوا فسق الخلفاء وفجورهم.
وانظر أيضاً:I .Goldziher ,The Zahiris ,pp .٣ -٣١ .
وراجع آراء ابن حزم في الرأي والقياس والتعليل.